فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْوَارِثَيْنِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ، فَأَقَرَّ الْمُكَلَّفُ بِأَخٍ ثَالِثٍ ، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ بِإِقْرَارِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحُوزُ الْمِيرَاثَ كُلَّهُ .
فَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ ، أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ ، فَأَقَرَّا بِهِ أَيْضًا ، ثَبَتَ نَسَبُهُ ؛ لِاتِّفَاقِ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ عَلَيْهِ .
وَإِنْ أَنْكَرَ ، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ .
وَإِنْ مَاتَا قَبْلَ أَنْ يَصِيرَا مُكَلَّفَيْنِ ، ثَبَتَ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ الْإِقْرَارُ مِنْ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ ، فَإِنَّ الْمُقَرَّ بِهِ صَارَ جَمِيعَ الْوَرَثَةِ .
وَلَوْ كَانَ الْوَارِثَانِ بَالِغَيْنِ عَاقِلَيْنِ ، فَأَقَرَّ بِهِ أَحَدُهُمَا وَأَنْكَرَ الْآخَرُ ، ثُمَّ مَاتَ الْمُنْكِرُ وَوَرِثَهُ الْمُقِرُّ ، ثَبَتَ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُقَرَّ بِهِ صَارَ جَمِيعَ الْوَرَثَةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ ابْتِدَاءً بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهِ ، وَكَمَا لَوْ كَانَ شَرِيكُهُ فِي الْمِيرَاثِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ .
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ ؛ لِأَنَّهُ أَنْكَرَهُ بَعْضُ الْوَرَثَةِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَمُتْ ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ شَرِيكُهُ غَيْرَ مُكَلَّفٍ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْكِرْهُ وَارِثٌ .
وَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَ الْمُقِرُّ يَحُوزُ جَمِيعَ الْمِيرَاثِ بَعْدَ الْمَيِّتِ ، فَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَارِثٌ سِوَاهُ ، أَوْ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي الْمِيرَاثِ ، لَمْ يَثْبُت النَّسَبُ بِقَوْلِ الْبَاقِي مِنْهُمَا ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلَّ الْوَرَثَةِ ، وَيَقُومُ وَارِثُ الْمَيِّتِ الثَّانِي مَقَامَهُ ، فَإِذَا وَافَقَ الْمُقِرَّ فِي إقْرَارِهِ ثَبَتَ النَّسَبُ ، وَإِنْ خَالَفَهُ لَمْ يَثْبُتْ كَالْمَوْرُوثِ .
وَإِنْ خَلَّفَ وَلَدَيْنِ ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَخٍ ، وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ ، ثُمَّ مَاتَ الْمُنْكِرُ ، وَخَلَّفَ ابْنًا ، فَأَقَرَّ بِاَلَّذِي أَنْكَرَهُ أَبُوهُ ، ثَبَتَ نَسَبُهُ ؛ لِإِقْرَارِ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ بِهِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَثْبُتَ ؛ لِإِنْكَارِ الْمَيِّتِ لَهُ .
فَصْلٌ: وَإِذَا أَقَرَّ الْوَارِثُ بِمَنْ يَحْجُبُهُ ، كَأَخٍ أَقَرَّ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ ، وَأَخٍ مِنْ أَبٍ أَقَرَّ بِأَخٍ مِنْ أَبَوَيْنِ ، وَابْنِ ابْنٍ أَقَرَّ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ ، ثَبَتَ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ ، وَوَرِثَ وَسَقَطَ الْمُقِرُّ .
وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي ، وَقَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ .
وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: يَثْبُتُ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ ، وَلَا يَرِثُ ؛ لِأَنَّ تَوْرِيثَهُ يُفْضِي إلَى إسْقَاطِ تَوْرِيثِهِ .