فَصْلٌ: وَإِنْ خَرَجَ الْإِنْسَانُ إلَى السَّفَرِ مُكْرَهًا ، كَالْأَسِيرِ ، فَلَهُ الْقَصْرُ إذَا كَانَ سَفَرُهُ بَعِيدًا ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَقْصُرُ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ نَاوٍ لِلسَّفَرِ وَلَا جَازِمٍ بِهِ ، فَإِنَّ نِيَّتَهُ أَنَّهُ مَتَى أَفْلَتَ رَجَعَ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ مُسَافِرٌ سَفَرًا بَعِيدًا غَيْر مُحَرَّمٍ ، فَأُبِيحَ لَهُ الْقَصْرُ ، كَالْمَرْأَةِ مَعَ زَوْجِهَا ، وَالْعَبْدِ مَعَ سَيِّدِهِ ، إذَا كَانَ عَزْمُهُمَا أَنَّهُ لَوْ مَاتَ أَوْ زَالَ مُلْكُهُمَا ، رَجَعَ .
وَقِيَاسُهُمْ مُنْتَقِضٌ بِهَذَا .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يُتِمُّ إذَا صَارَ فِي حُصُونِهِمْ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ انْقَضَى سَفَرُهُ .
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ ؛ لِأَنَّ فِي عَزْمِهِ أَنَّهُ مَتَى أَفْلَتَ رَجَعَ ، فَأَشْبَهَ الْمَحْبُوسَ ظُلْمًا .
مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ: ( إذَا جَاوَزَ بُيُوتَ قَرْيَتِهِ )
وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِمَنْ نَوَى السَّفَرَ الْقَصْرُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ بُيُوتِ قَرْيَتِهِ ، وَيَجْعَلَهَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ .
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ .
وَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى ، أَنَّهُمَا أَبَاحَا الْقَصْرَ فِي الْبَلَدِ لِمَنْ نَوَى السَّفَرَ .
وَعَنْ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ ، أَنَّهُ أَرَادَ سَفَرًا ، فَصَلَّى بِهِمْ فِي مَنْزِلِهِ رَكْعَتَيْنِ ، وَفِيهِمْ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ .
وَرَوَى عُبَيْدُ بْنُ جَبْرٍ ، قَالَ: كُنْت مَعَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ فِي سَفِينَةٍ مِنْ الْفُسْطَاطِ ، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، فَدَفَعَ ، ثُمَّ قَرُبَ غِذَاؤُهُ ، فَلَمْ يُجَاوِزْ الْبُيُوتَ حَتَّى دَعَا بِالسُّفْرَةِ ، ثُمَّ قَالَ: اقْتَرِبْ .
فَقُلْت: أَلَسْت تَرَى الْبُيُوتَ ؟ قَالَ أَبُو بَصْرَةَ: أَتَرْغَبُ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَأَكَلَ .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ } وَلَا يَكُونُ ضَارِبًا فِي الْأَرْضِ حَتَّى يَخْرُجَ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ