فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ الِامْتِنَاعُ مِنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ بَعْدَ قَبْضِ الثَّمَنِ لِأَجْلِ الِاسْتِبْرَاءِ .
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْقَبِيحَةِ .
وَقَالَ فِي الْجَمِيلَةِ: يَضَعُهَا عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ ؛ لِأَنَّ التُّهْمَةَ تَلْحَقُهُ فِيهَا ، فَمُنِعَ مِنْهَا .
وَلَنَا ، أَنَّهُ بَيْعُ عَيْنٍ لَا خِيَارَ فِيهَا ، قَدْ قَبَضَ ثَمَنَهَا ، فَوَجَبَ تَسْلِيمُهَا ، كَسَائِرِ الْمَبِيعَاتِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ التُّهْمَةِ لَا يُمَكِّنُهُ مِنْ التَّسَلُّطِ عَلَى مَنْعِهِ مِنْ قَبْضِ مَمْلُوكَتِهِ ، كَالْقَبِيحَةِ .
وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ اسْتَبْرَأَهَا قَبْلَ بَيْعِهَا ، فَاحْتِمَالُ وُجُودِ الْحَمْلِ فِيهَا بَعِيدٌ نَادِرٌ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا ، فَهُوَ تَرَكَ التَّحَفُّظَ لِنَفْسِهِ .
وَلَوْ طَالَبَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِكَفِيلٍ ، لِئَلَّا تَظْهَرَ حَامِلًا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ التَّحَفُّظَ لِنَفْسِهِ حَالَ الْعَقْدِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ كَفِيلٌ ، كَمَا لَوْ طَلَبَ كَفِيلًا بِالثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ .
مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْآبِقِ .
وَجُمْلَتُهُ ؛ أَنَّ بَيْعَ الْعَبْدِ الْآبِقِ لَا يَصِحُّ ، سَوَاءٌ عَلِمَ مَكَانَهُ ، أَوْ جَهِلَهُ .
وَكَذَلِكَ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْجَمَلِ الشَّارِدِ ، وَالْفَرَسِ الْعَائِرِ ، وَشِبْهِهِمَا .
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ بَعْضِ وَلَدِهِ بَعِيرًا شَارِدًا .
وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْآبِقِ ، إذَا كَانَ عِلْمُهُمَا فِيهِ وَاحِدًا .
وَعَنْ شُرَيْحٍ مِثْلُهُ .
وَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ .
وَهَذَا بَيْعُ غَرَرٍ .
وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ ، كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ ، فَإِنْ حَصَلَ فِي يَدِ إنْسَانٍ ، جَازَ بَيْعُهُ ؛ لِإِمْكَانِ تَسْلِيمِهِ .