وَتَصَدَّقَ سَعْدٌ بِدَارِهِ بِالْمَدِينَةِ وَدَارِهِ بِمِصْرَ عَلَى وَلَدِهِ ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بِالْوَهْطِ وَدَارِهِ بِمَكَّةَ عَلَى وَلَدِهِ ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ بِدَارِهِ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عَلَى وَلَدِهِ ، فَذَلِكَ كُلُّهُ إلَى الْيَوْمِ .
وَقَالَ جَابِرٌ: لَمْ يَكُنْ
أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذُو مَقْدِرَةٍ إلَّا وَقَفَ .
وَهَذَا إجْمَاعٌ مِنْهُمْ ، فَإِنَّ الَّذِي قَدَرَ مِنْهُمْ عَلَى الْوَقْفِ وَقَفَ ، وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ يَلْزَمُ بِالْوَصِيَّةِ ، فَإِذَا نَجَزَهُ حَالَ الْحَيَاةِ لَزِمَ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ ، كَالْعِتْقِ .
وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ إنْ ثَبَتَ ، فَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْوَقْفِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جَعَلَهُ صَدَقَةً غَيْرَ مَوْقُوفٍ ، اسْتَنَابَ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَى وَالِدَيْهِ أَحَقَّ النَّاسِ بِصَرْفِهَا إلَيْهِمَا ، وَلِهَذَا لَمْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ ، إنَّمَا دَفَعَهَا إلَيْهِمَا .
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْحَائِطَ كَانَ لَهُمَا ، وَكَانَ هُوَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِحُكْمِ النِّيَابَةِ عَنْهُمَا ، فَتَصَرَّفَ بِهَذَا التَّصَرُّفِ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا ، فَلَمْ يُنَفِّذَاهُ ، وَأَتَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَدَّهُ إلَيْهِمَا .
وَالْقِيَاسُ عَلَى الصَّدَقَةِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهَا تَلْزَمُ فِي الْحَيَاةِ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ ، وَإِنَّمَا تَفْتَقِرُ إلَى الْقَبْضِ ، وَالْوَقْفُ لَا يَفْتَقِرُ إلَيْهِ ، فَافْتَرَقَا .
مَسْأَلَةٌ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: ( وَمَنْ وَقَفَ فِي صِحَّةٍ مِنْ عَقْلِهِ وَبَدَنِهِ ، عَلَى قَوْمٍ وَأَوْلَادِهِمْ وَعَقِبِهِمْ ثُمَّ آخِرُهُ لِلْمَسَاكِينِ ، فَقَدْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ )
فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة فُصُولٌ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْوَقْفَ إذَا صَحَّ ، زَالَ بِهِ مِلْكُ الْوَاقِفِ عَنْهُ ، فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ .
وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَعَنْ أَحْمَدَ: لَا يَزُولُ مِلْكُهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَحُكِيَ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { احْبِسْ الْأَصْلَ ، وَسَبِّلْ الثَّمَرَةَ } .
وَلَنَا أَنَّهُ سَبَبٌ يُزِيلُ التَّصَرُّفَ فِي