بِالْمَدِينَةِ ، قَدِمَهَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُمْ مُخْتَبِئُونَ فِي دَارٍ ، فَجَمَّعَ بِهِمْ وَهُمْ أَرْبَعُونَ .
فَصْلٌ: فَأَمَّا مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ فَلَا يَجُوزُ فِي أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ ، وَإِنْ حَصَلَ الْغِنَى بِاثْنَتَيْنِ لَمْ تَجُزْ الثَّالِثَةُ ، وَكَذَلِكَ مَا زَادَ ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا مُخَالِفًا ، إلَّا أَنَّ عَطَاءً قِيلَ لَهُ: إنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ لَا يَسَعُهُمْ الْمَسْجِدُ الْأَكْبَرُ .
قَالَ: لِكُلِّ قَوْمٍ مَسْجِدٌ يُجَمِّعُونَ فِيهِ ، وَيُجْزِئُ ذَلِكَ مِنْ التَّجْمِيعِ فِي الْمَسْجِدِ الْأَكْبَرِ .
وَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَوْلَى ، إذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَائِهِ أَنَّهُمْ جَمَّعُوا أَكْثَرَ مِنْ جُمُعَةٍ ، إذْ لَمْ تَدْعُ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ ، وَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُ الْأَحْكَامِ بِالتَّحَكُّمِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، فَإِنْ صَلَّوْا جُمُعَتَيْنِ فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ، وَإِحْدَاهُمَا جُمُعَةُ الْإِمَامِ ، فَهِيَ صَحِيحَةٌ تَقَدَّمَتْ أَوْ تَأَخَّرَتْ ، وَالْأُخْرَى بَاطِلَةٌ ، لِأَنَّ فِي الْحُكْمِ بِبُطْلَانِ جُمُعَةِ الْإِمَامِ افْتِيَاتًا عَلَيْهِ ، وَتَفْوِيتًا لَهُ الْجُمُعَةَ وَلِمَنْ يُصَلِّي مَعَهُ ، وَيُفْضِي إلَى أَنَّهُ مَتَى شَاءَ أَرْبَعُونَ أَنْ يُفْسِدُوا صَلَاةَ أَهْلِ الْبَلَدِ أَمْكَنَهُمْ ذَلِكَ ، بِأَنْ يَجْتَمِعُوا فِي مَوْضِعٍ ، وَيَسْبِقُوا أَهْلَ الْبَلَدِ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَقِيلَ: السَّابِقَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ ، لِأَنَّهَا لَمْ يَتَقَدَّمْهَا مَا يُفْسِدُهَا ، وَلَا تَفْسُدُ بَعْدَ صِحَّتِهَا بِمَا بَعْدَهَا .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، لِمَا ذَكَرْنَا .
وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ وَالْأُخْرَى فِي مَكَان صَغِيرٍ لَا يَسَعُ الْمُصَلِّينً
، أَوْ لَا يُمْكِنُهُمْ الصَّلَاةُ فِيهِ ؛ لِاخْتِصَاصِ السُّلْطَانِ وَجُنْدِهِ بِهِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا فِي قَصَبَةِ الْبَلَدِ ، وَالْآخَرُ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ ، كَانَ مَنْ وُجِدَتْ فِيهِ هَذِهِ الْمَعَانِي صَلَاتُهُمْ صَحِيحَةٌ دُونَ الْأُخْرَى .
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا أَرَى