الْمَنْذُورِ عَنْ الْمَيِّتِ رِوَايَتَانِ .
وَلَا تَجُوزُ الِاسْتِنَابَةُ فِي الطَّهَارَةِ ، إلَّا فِي صَبِّ الْمَاءِ ، وَإِيصَالِ الْمَاءِ لِلْأَعْضَاءِ ، وَفِي تَطْهِيرِ النَّجَاسَةِ عَنْ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَغَيْرِهِمَا .
فَصْلٌ: وَكُلُّ مَا جَازَ التَّوْكِيلُ فِيهِ ، جَازَ اسْتِيفَاؤُهُ فِي حَضْرَةِ الْمُوَكَّلِ وَغَيْبَتِهِ .
وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ .
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ فِي غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ .
أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَعْفُوَ الْمُوَكَّلُ فِي حَالَةِ غَيْبَتِهِ ، فَيَسْقُطَ ؛ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ شُبْهَةٌ تَمْنَعُ الِاسْتِيفَاءَ .
وَلِأَنَّ الْعَفْوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ ، فَإِذَا حَضَرَ ، احْتَمَلَ أَنْ يَرْحَمَهُ فَيَعْفُوَ .
وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّ مَا جَازَ اسْتِيفَاؤُهُ فِي حَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ ، جَازَ فِي غَيْبَتِهِ ، كَالْحُدُودِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ ، وَاحْتِمَالُ الْعَفْوِ بَعِيدٌ .
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ عَفَا لَبَعَثَ وَأَعْلَمَ وَكِيلَهُ بِعَفْوِهِ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ ، فَلَا يُؤَثِّرُ ، أَلَا تَرَى أَنَّ قُضَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَحْكُمُونَ فِي الْبِلَادِ ، وَيُقِيمُونَ الْحُدُودَ الَّتِي تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، مَعَ احْتِمَالِ النَّسْخِ ؟ وَكَذَلِكَ لَا يُحْتَاطُ فِي اسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ بِإِحْضَارِ الشُّهُودِ ، مَعَ احْتِمَالِ رُجُوعِهِمْ عَنْ الشَّهَادَةِ ، أَوْ تَغَيُّرِ اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ .
فَصْلٌ: وَلَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ إلَّا بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَافْتَقَرَ إلَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ ، كَالْبَيْعِ .
وَيَجُوزُ الْإِيجَابُ بِكُلِّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَى الْإِذْنِ ، نَحْوُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِفِعْلِ شَيْءٍ ، أَوْ يَقُولَ: أَذِنْت لَك فِي فِعْلِهِ .
فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَّلَ عُرْوَةَ بْنَ الْجَعْدِ فِي شِرَاءِ شَاةٍ بِلَفْظِ الشِّرَاءِ ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ، مُخْبِرًا عَنْ أَهْلِ الْكَهْفِ أَنَّهُمْ قَالُوا: { فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ } .
وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ دَالٌ عَلَى الْإِذْنِ ، فَجَرَى مَجْرَى قَوْلِهِ: وَكَّلْتُك .
وَيَجُوزُ الْقَبُولُ بِقَوْلِهِ: قَبِلْت .
وَكُلِّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَيْهِ .
وَيَجُوزُ بِكُلِّ فِعْلٍ دَلَّ عَلَى الْقَبُولِ ، نَحْوِ أَنْ