لَأَخَّرَهُ بِمُقْتَضَى طَبْعِهِ ، ثِقَةً مِنْهُ بِأَنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ بِالْمَوْتِ ، أَوْ بِتَلَفِ مَالِهِ ، أَوْ بِعَجْزِهِ عَنْ الْأَدَاءِ ، فَيَتَضَرَّرَ الْفُقَرَاءُ .
وَلِأَنَّ هَاهُنَا قَرِينَةً تَقْتَضِي الْفَوْرَ ، وَهُوَ أَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ لِحَاجَةِ الْفُقَرَاءِ ، وَهِيَ نَاجِزَةٌ ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْوُجُوبُ ، نَاجِزًا وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَكَرَّرُ ، فَلَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُهَا إلَى وَقْتِ وُجُوبِ مِثْلِهَا ، كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ .
قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَحُولُ الْحَوْلُ عَلَى مَالِهِ ، فَيُؤَخِّرُ عَنْ وَقْتِ الزَّكَاةِ ؟ فَقَالَ: لَا ، وَلَمْ يُؤَخِّرُ إخْرَاجَهَا ؟ وَشَدَّدَ فِي ذَلِكَ .
قِيلَ: فَابْتَدَأَ فِي إخْرَاجِهَا ، فَجَعَلَ يُخْرِجُ أَوَّلًا فَأَوَّلًا .
فَقَالَ: لَا ، بَلْ يُخْرِجُهَا كُلَّهَا إذَا حَالَ
الْحَوْلُ .
فَأَمَّا إذَا كَانَتْ عَلَيْهِ مَضَرَّةٌ فِي تَعْجِيلِ الْإِخْرَاجِ ، مِثْلُ مَنْ يَحُولُ حَوْلُهُ قَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي ، وَيَخْشَى إنْ أَخْرَجَهَا بِنَفْسِهِ أَخَذَهَا السَّاعِي مِنْهُ مَرَّةً أُخْرَى ، فَلَهُ تَأْخِيرُهَا .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَكَذَلِكَ إنْ خَشِيَ فِي إخْرَاجِهَا ضَرَرًا فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالٍ لَهُ سِوَاهَا ، فَلَهُ تَأْخِيرُهَا ؛ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } وَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ تَأْخِيرُ قَضَاءِ دَيْنِ الْآدَمِيِّ لِذَلِكَ ، فَتَأْخِيرُ الزَّكَاةِ أَوْلَى .
فَصْلٌ: فَإِنْ أَخَّرَهَا لِيَدْفَعَهَا إلَى مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهَا ، مِنْ ذِي قَرَابَةٍ ، أَوْ ذِي حَاجَةٍ شَدِيدَةٍ ، فَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا ، فَلَا بَأْسَ ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا ، لَمْ يَجُزْ .
قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُجْزِئُ عَلَى أَقَارِبِهِ مِنْ الزَّكَاةِ فِي كُلِّ شَهْرٍ .
يَعْنِي لَا يُؤَخِّرُ إخْرَاجَهَا حَتَّى يَدْفَعَهَا إلَيْهِمْ مُتَفَرِّقَةً ، فِي كُلِّ شَهْرٍ شَيْئًا ، فَأَمَّا إنْ عَجَّلَهَا فَدَفَعَهَا إلَيْهِمْ ، أَوْ إلَى غَيْرِهِمْ مُتَفَرِّقَةً أَوْ مَجْمُوعَةً ، جَازَ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْهَا عَنْ وَقْتِهَا ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ عِنْدَهُ