إلَى غَيْرِهِ .
فَصْلٌ: وَإِذَا فُرِّقَ مَالُ الْمُفْلِسِ ، وَبَقِيَتْ عَلَيْهِ بَقِيَّةٌ ، وَلَهُ صَنْعَةٌ ، فَهَلْ يُجْبِرُهُ الْحَاكِمُ عَلَى إيجَارِ نَفْسِهِ ، لِيَقْضِيَ دَيْنَهُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يُجْبِرُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ } .
وَلَمَّا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ ، أَنَّ رَجُلًا أُصِيبَ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا ، وَكَثُرَ دَيْنُهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ .
فَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَبْلُغْ وَفَاءَ دَيْنِهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ ، وَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ .
وَلِأَنَّ هَذَا تَكَسُّبٌ لِلْمَالِ ، فَلَمْ يُجْبِرْهُ عَلَيْهِ ، كَقَبُولِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ ، وَكَمَا لَا تُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَى التَّزْوِيجِ لِتَأْخُذَ الْمَهْرَ .
وَالثَّانِيَةُ ، يُجْبَرُ عَلَى الْكَسْبِ .
وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَسَوَّارٍ وَالْعَنْبَرِيِّ وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاعَ سَرَقًا فِي دَيْنِهِ ، وَكَانَ سَرَقَ رَجُلًا دَخَلَ الْمَدِينَةَ ، وَذَكَرَ أَنَّ وَرَاءَهُ مَالًا ، فَدَايَنَهُ النَّاسُ ، فَرَكِبَتْهُ دُيُونٌ ، وَلَمْ يَكُنْ وَرَاءَهُ مَالٌ ، فَسَمَّاهُ سَرَقًا ، وَبَاعَهُ بِخَمْسَةِ أَبْعِرَةٍ .
وَالْحُرُّ لَا يُبَاعُ ، ثَبَتَ أَنَّهُ بَاعَ مَنَافِعَهُ .
وَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَجْرِي مَجْرَى الْأَعْيَانِ ، فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا وَتَحْرِيمِ أَخْذِ الزَّكَاةِ ، وَثُبُوتِ الْغِنَى بِهَا ، فَكَذَلِكَ فِي وَفَاءِ الدَّيْنِ مِنْهَا .
وَلِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، فَجَازَ إجْبَارُهُ عَلَيْهَا ، كَبَيْعِ مَالِهِ فِي وَفَاءِ الدَّيْنِ مِنْهَا .
وَلِأَنَّهَا إجَارَةٌ لِمَا يَمْلِكُ إجَارَتَهُ ، فَيُجْبَرُ عَلَيْهَا فِي وَفَاءِ دَيْنِهِ ، كَإِجَارَةِ أَمِّ وَلَدِهِ .
وَلِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى وَفَاءِ دَيْنِهِ ، فَلَزِمَهُ .
كَمَالِكِ مَا يَقْدِرُ عَلَى الْوَفَاءِ مِنْهُ .
فَإِنْ قِيلَ: حَدِيثُ سَرَقٍ