وَلَنَا ، أَنَّ الدِّيَةَ وَالْقِيمَةَ ثَبَتَتْ فِي الذِّمَّةِ مُقَدَّرَةً ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَالِحَ عَنْهَا بِأَكْثَرَ مِنْهَا مِنْ جِنْسِهَا ، كَالثَّابِتَةِ عَنْ قَرْضٍ أَوْ ثَمَنِ مَبِيعٍ ، وَلِأَنَّهُ إذَا أَخَذَ أَكْثَرَ مِنْهَا فَقَدْ أَخَذَ حَقَّهُ وَزِيَادَةً لَا مُقَابِلَ لَهَا ، فَيَكُونُ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ .
فَأَمَّا إنْ صَالَحَهُ عَلَى غَيْرِ جِنْسِهَا ، بِأَكْثَرَ قِيمَةً مِنْهَا ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ الشَّيْءَ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَقَلَّ .
فَصْلٌ: وَلَوْ صَالَحَ عَنْ الْمِائَةِ الثَّابِتَةِ فِي الذِّمَّةِ بِالْإِتْلَافِ ، بِمِائَةٍ مُؤَجَّلَةٍ ، لَمْ يَجُزْ ، وَكَانَتْ حَالَّةً .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَعَنْ أَحْمَدَ يَجُوزُ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ عَاوَضَ عَنْ الْمُتْلِفِ بِمِائَةٍ مُؤَجَّلَةٍ فَجَازَ كَمَا لَوْ بَاعَهُ إيَّاهُ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْمُتْلَفِ وَهُوَ مِائَةٌ حَالَّةٌ ، الْحَالُّ لَا يَتَأَجَّلُ بِالتَّأْجِيلِ ، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ بَيْعًا فَهُوَ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنِ ، وَبَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ غَيْرُ جَائِزٍ .
فَصْلٌ: وَلَوْ صَالَحَ عَنْ الْقِصَاصِ بِعَبْدٍ ، فَخَرَجَ مُسْتَحَقًّا ، رَجَعَ بِقِيمَتِهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا .
وَإِنْ خَرَجَ حُرًّا فَكَذَلِكَ .
وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَرْجِعُ بِالدِّيَةِ ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ فَاسِدٌ ، فَيَرْجِعُ بِبَذْلِ مَا صَالَحَ عَنْهُ ، وَهُوَ الدِّيَةُ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ مَا جَعَلَهُ عِوَضًا ، فَرَجَعَ فِي قِيمَتِهِ ، كَمَا لَوْ خَرَجَ مُسْتَحَقًّا .
فَصْلٌ: وَلَوْ صَالَحَ عَنْ دَارٍ أَوْ عَبْدٍ بِعِوَضِ ، فَوَجَدَ الْعِوَضَ مُسْتَحَقًّا أَوْ حُرًّا ، رَجَعَ فِي الدَّارِ وَمَا صَالَحَ عَنْهُ ، أَوْ بِقِيمَتِهِ إنْ كَانَ تَالِفًا ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ هَاهُنَا بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ ، فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْعِوَضَ كَانَ مُسْتَحَقًّا أَوْ حُرًّا كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا ، فَرَجَعَ فِيمَا كَانَ لَهُ ، بِخِلَافِ الصُّلْحِ عَنْ الْقِصَاصِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِبَيْعٍ وَإِنَّمَا يَأْخُذُ عِوَضًا عَنْ إسْقَاطِ الْقِصَاصِ .
وَلَوْ اشْتَرَى شَيْئًا فَوَجَدَهُ مَعِيبًا ، فَصَالَحَهُ عَنْهُ بِعَبْدٍ ، فَبَانَ مُسْتَحَقًّا أَوْ حُرًّا ، رَجَعَ بِأَرْشِ الْعَيْبِ .
وَلَوْ كَانَ الْبَائِعُ امْرَأَةً ، فَزَوْجَته نَفْسَهَا عِوَضًا عَنْ أَرْشِ الْعَيْبِ ، فَزَالَ الْعَيْبُ رَجَعَتْ بِأَرْشِهِ ، لَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ ذَلِكَ مَهْرًا لَهَا .