وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الطَّاعَاتِ الْمَحْضَةِ ، وَيَجْتَنِبُ مَا لَا يَعْنِيهِ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ ، وَلَا يُكْثِرُ الْكَلَامَ ؛ لِأَنَّ مِنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ سَقَطَهُ .
وَفِي الْحَدِيثِ {: مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ } .
وَيَجْتَنِبُ الْجِدَالَ وَالْمِرَاءَ ، وَالسِّبَابَ وَالْفُحْشَ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ فِي غَيْرِ الِاعْتِكَافِ ، فَفِيهِ أَوْلَى .
وَلَا يَبْطُلُ الِاعْتِكَافُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَبْطُلْ بِمُبَاحِ الْكَلَامِ لَمْ يَبْطُلْ بِمَحْظُورِهِ ، وَعَكْسُهُ الْوَطْءُ .
وَلَا بَأْسَ بِالْكَلَامِ لِحَاجَتِهِ ، وَمُحَادَثَةِ غَيْرِهِ ، فَإِنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَكِفًا ، فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا ، فَحَدَّثْته ، ثُمَّ قُمْت ، فَانْقَلَبْت ، فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي - وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَعَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلَى رِسْلِكُمَا ، إنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ .
فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّه يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ: إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ ، وَإِنِّي خَشِيت أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا .
أَوْ قَالَ: شَيْئًا .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَيُّمَا رَجُلٍ اعْتَكَفَ ، فَلَا يُسَابَّ ، وَلَا يَرْفُثْ فِي الْحَدِيثِ ، وَيَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالْحَاجَةِ - أَيْ وَهُوَ يَمْشِي - وَلَا يَجْلِسْ عِنْدَهُمْ .
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ .
فَصْلٌ: فَأَمَّا إقْرَاءُ الْقُرْآنِ ، وَتَدْرِيسُ الْعِلْمِ وَدَرْسُهُ ، وَمُنَاظَرَةُ الْفُقَهَاءِ وَمُجَالَسَتُهُمْ ، وَكِتَابَةُ الْحَدِيثِ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَدَّى
نَفْعُهُ ، فَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ .
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ .
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: فِي