اللَّهُ تَعَالَى: { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا } .
فَصْلٌ: وَهَذِهِ الشُّرُوطُ الْخَمْسَةُ تَنْقَسِمُ أَقْسَامًا ثَلَاثَةً ؛ مِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ ، فَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ وَلَا مَجْنُونٍ ، وَلَا تَصِحُّ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَات .
وَمِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ وَالْإِجْزَاءِ ، وَهُوَ الْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِلصِّحَّةِ ، فَلَوْ حَجَّ الصَّبِيُّ وَالْعَبْدُ صَحَّ حَجُّهُمَا ، وَلَمْ يُجْزِئْهُمَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ .
وَمِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ فَقَطْ ، وَهُوَ الِاسْتِطَاعَةُ ، فَلَوْ تَجَشَّمَ غَيْرُ الْمُسْتَطِيعِ الْمَشَقَّةَ ،
وَسَارَ بِغَيْرِ زَادٍ وَرَاحِلَةٍ فَحَجَّ ، كَانَ حَجُّهُ صَحِيحًا مُجْزِئًا ، كَمَا لَوْ تَكَلَّفَ الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامَ مَنْ يَسْقُطُ عَنْهُ ، أَجْزَأَهُ .
فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي شَرْطَيْنِ ، وَهُمَا ؛ تَخْلِيَةُ الطَّرِيق ، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الطَّرِيقِ مَانِعٌ مِنْ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ .
وَإِمْكَانُ الْمَسِيرِ ، وَهُوَ أَنْ تَكْمُلَ فِيهِ هَذِهِ الشَّرَائِطُ وَالْوَقْتُ مُتَّسِعٌ يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ .
فَرُوِيَ أَنَّهُمَا مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ ، فَلَا يَجِبُ الْحَجُّ بِدُونِهِمَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا فَرَضَ الْحَجَّ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ ، وَهَذَا غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ ، وَلِأَنَّ هَذَا يَتَعَذَّرُ مَعَهُ فِعْلُ الْحَجِّ ، فَكَانَ شَرْطًا ، كَالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ .
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .
وَرُوِيَ أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطَانِ لِلُزُومِ السَّعْيِ ، فَلَوْ كَمُلَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ الْخَمْسَةُ ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ وُجُودِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ ، حُجَّ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَإِنْ أَعْسَرَ قَبْلَ وُجُودِهِمَا بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ .
وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُمَا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا