ثُمَّ أَحَادِيثُهُمْ لَا تُعَارِضُ حَدِيثَنَا ؛ فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ بِضَرْبَتَيْنِ ، وَلَا يَنْفِي ذَلِكَ جَوَازَ التَّيَمُّمِ بِضَرْبَةٍ ، كَمَا أَنَّ وُضُوءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا لَا يَنْفِي الْإِجْزَاءَ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ .
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ: إلَى الْمِرْفَقَيْنِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْكَفَّيْنِ الْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ .
قُلْنَا: أَمَّا حَدِيثُهُ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ، إنَّمَا رَوَاهُ سَلَمَةُ ، وَشَكَّ فِيهِ ، فَقَالَ لَهُ مَنْصُورٌ: مَا تَقُولُ فِيهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَذْكُرُ الذِّرَاعَيْنِ أَحَدٌ غَيْرُك ؟ فَشَكَّ ، وَقَالَ: لَا أَدْرِي ، أَذَكَرَ الذِّرَاعَيْنِ ، أَمْ لَا ؟ قَالَ ذَلِكَ النَّسَائِيّ .
فَلَا يَثْبُتُ مَعَ
الشَّكِّ ، وَقَدْ أُنْكِرَ عَلَيْهِ ، وَخَالَفَ بِهِ سَائِرَ الرُّوَاةِ الثِّقَاتِ ، فَكَيْفَ يُلْتَفَتُ إلَى مِثْلِ هَذَا ؟ وَهُوَ لَوْ انْفَرَدَ لَمْ يُعَوَّلْ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يُحْتَجَّ بِهِ .
وَأَمَّا التَّأْوِيلُ فَبَاطِلٌ ؛ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا ، أَنَّ عَمَّارًا الرَّاوِيَ لَهُ الْحَاكِيَ لِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْتَى بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ عَمَلًا بِالْحَدِيثِ .
وَقَدْ شَاهَدَ فِعْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْفِعْلُ لَا احْتِمَالَ فِيهِ .
وَالثَّانِي أَنَّهُ قَالَ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَهُمْ يَقُولُونَ ضَرْبَتَانِ .
وَالثَّالِثُ أَنَّنَا لَا نَعْرِفُ فِي اللُّغَةِ التَّعْبِيرَ بِالْكَفَّيْنِ عَنْ الذِّرَاعَيْنِ .
وَالرَّابِعُ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْفِعْلَيْنِ جَائِزٌ أَقْرَبُ مِنْ تَأْوِيلِهِمْ وَأَسْهَلُ ، وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِالتَّيَمُّمِ عَنْ الْغُسْلِ الْوَاجِبِ ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ عَنْ الْمُبْدَلِ ، وَكَذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ ، فَإِنَّهُ فِي أَرْبَعَةِ أَعْضَاءَ ، وَالتَّيَمُّمُ فِي عُضْوَيْنِ ، وَكَذَا نَقُولُ فِي الْوَجْهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ مَسْحُ مَا تَحْتَ الشُّعُورِ الْخَفِيفَةِ ، وَلَا الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ .