مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى تَقْدِيرِ أَجْرِهِ وَالرِّضَى بِبَذْلِهِ بِهِ جَرَى مَجْرَى ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ عَلَيْهِ ، وَصَارَ كَالْبَيْعِ بِالْمُعَاطَاةِ ، إذَا جَرَى مِنْ الْمُسَاوَمَةِ مَا دَلَّ عَلَى التَّرَاضِي بِهَا .
فَعَلَى هَذَا ، مَتِّي تُرِكَ التَّلَبُّسُ بِهِ فِي شَهْرٍ ، لَمْ تَثْبُتْ الْإِجَارَةُ فِيهِ ؛ لِعَدَمِ الْعَقْدِ .
وَإِنْ فُسِخَ ، فَكَذَلِكَ ، وَلَيْسَ بِفَسْخٍ فِي الْحَقِيقَةِ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي مَا ثَبَتَ .
فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، فَذَهَبَ إلَى أَنَّهُمَا إذَا تَلَبَّسَا بِالشَّهْرِ الثَّانِي فَقَدْ اتَّصَلَ الْقَبْضُ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ .
وَهُوَ عُذْرٌ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ فِي الْأَعْيَانِ لَا يَلْزَمُ بِالْقَبْضِ ، وَلَا يُضْمَنُ بِالْمُسَمَّى ، ثُمَّ لَمْ يَحْصُلْ الْقَبْضُ هَا هُنَا إلَّا فِيمَا اسْتَوْفَاهُ وَقَوْلُ مَالِكٍ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ جَائِزَةً .
فَصْلٌ: إذَا قَالَ: أَجَّرْتُك دَارِي عِشْرِينَ شَهْرًا ، كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ جَازَ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ مَعْلُومَةٌ ، وَأَجْرَهَا مَعْلُومٌ ، وَلَيْسَ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخٌ بِحَالِ ؛ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ وَاحِدَةٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: آجَرْتُك عِشْرِينَ شَهْرًا ، بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا .
وَإِنْ قَالَ: أَجَرْتُكهَا شَهْرًا بِدِرْهَمٍ ، وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ صَحَّ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ ، لِأَنَّهُ أَفْرَدَهُ بِالْعَقْدِ ، وَبَطَلَ فِي الزَّائِدِ ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ فِي كُلِّ شَهْرٍ تَلَبَّسَ بِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَجَرْتُكهَا كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ .
لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَلَوْ قَالَ: أَجَرْتُكهَا هَذَا الشَّهْرَ بِدِرْهَمٍ .
وَكُلُّ شَهْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِدِرْهَمٍ .
أَوْ قَالَ: بِدِرْهَمَيْنِ .
صَحَّ فِي الْأَوَّلِ ، وَفِيمَا بَعْدَهُ وَجْهَانِ .
فَصْلٌ: وَالْإِجَارَةُ عَقْدٌ لَازِمٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ ، لَيْسَ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا .
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، فَكَانَ لَازِمًا ، كَالْبَيْعِ ، وَلِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ بِاسْمٍ كَمَا اخْتَصَّ الصَّرْفُ وَالسَّلَمُ بِاسْمٍ ، وَسَوَاءٌ كَانَ لَهُ عُذْرٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ .
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .