فِي هَذَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { لَا تَلْبَسُوا مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ ، وَلَا الْوَرْسُ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
فَكُلُّ مَا صُبِغَ بِزَعْفَرَانٍ أَوْ وَرْسٍ ، أَوْ غُمِسَ فِي مَاءِ وَرْدٍ ، أَوْ بُخِّرَ بِعُودٍ ، فَلَيْسَ لِلْمُحْرِمِ لُبْسُهُ ، وَلَا الْجُلُوسُ عَلَيْهِ ، وَلَا النَّوْمُ عَلَيْهِ .
نَصَّ أَحْمَدُ عَلَيْهِ .
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَهُ ، فَأَشْبَهَ لُبْسَهُ .
وَمَتَى لَبِسَهُ ، أَوْ اسْتَعْمَلَهُ ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ .
وَبِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ رَطْبًا يَلِي بَدَنَهُ ، أَوْ يَابِسًا يُنْفَضُ ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، وَإِلَّا فَلَا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَطَيِّبٍ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ مَنْهِيُّ عَنْهُ لِأَجْلِ الْإِحْرَامِ فَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ بِهِ ، كَاسْتِعْمَالِ الطِّيبِ فِي بَدَنِهِ .
وَلِأَنَّهُ مُحْرِمٌ اسْتَعْمَلَ ثَوْبًا مُطَيَّبًا ، فَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ بِهِ كَالرَّطْبِ .
فَإِنْ غَسَلَهُ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ .
فَصْلٌ: وَإِنْ انْقَطَعَتْ رَائِحَةُ الثَّوْبِ ، لِطُولِ الزَّمَنِ عَلَيْهِ ، أَوْ لِكَوْنِهِ صُبِغَ بِغَيْرِهِ ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ ، بِحَيْثُ لَا يَفُوحُ لَهُ رَائِحَةٌ إذَا رُشَّ فِيهِ الْمَاءُ ، فَلَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِهِ ، لِزَوَالِ الطِّيبِ مِنْهُ .
وَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ .
وَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ ، إلَّا أَنْ يُغْسَلَ وَيَذْهَبَ لَوْنُهُ ؛ لِأَنَّ عَيْنَ الزَّعْفَرَانِ وَنَحْوِهِ فِيهِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ إنَّمَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ أَجْلِ رَائِحَتِهِ ، وَقَدْ ذَهَبَتْ بِالْكُلِّيَّةِ .
فَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَائِحَةٌ فِي الْحَالِ ، لَكِنَّ كَانَ بِحَيْثُ إذَا رُشَّ فِيهِ مَاءٌ فَاحَ رِيحُهُ ، فَفِيهِ الْفِدْيَةُ ؛ لِأَنَّهُ مُتَطَيِّبٌ ، بِطِيبٍ ، بِدَلِيلِ أَنَّ رَائِحَتَهُ تَظْهَرُ عِنْدَ رَشِّ الْمَاءِ فِيهِ ، وَالْمَاءُ لَا رَائِحَةَ