النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ: { هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا ، أَوْ أَشَارَ إلَيْهَا ؟ قَالُوا: لَا ، قَالَ: فَكُلُوهُ } .
فَمَفْهُومُهُ أَنَّ إشَارَةَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ تُحَرِّمُهُ عَلَيْهِمْ .
فَصْلٌ: إذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ ، ثُمَّ أَكَلَهُ ، ضَمِنَهُ لِلْقَتْلِ دُونَ الْأَكْلِ .
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ عَطَاءٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَضْمَنُهُ لِلْأَكْلِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ مِنْ صَيْدٍ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ ، فَيَضْمَنُهُ ، كَمَا لَوْ أَكَلَ مِمَّا صِيدَ لِأَجْلِهِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ صَيْدٌ مَضْمُونٌ بِالْجَزَاءِ ، فَلَمْ يَضْمَن ثَانِيًا ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ بِغَيْرِ الْأَكْلِ ، وَكَصَيْدِ الْحَرَمِ إذَا قَتَلَهُ الْحَلَالُ وَأَكَلَهُ ، وَكَذَلِكَ إنْ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ ، ثُمَّ أَكَلَ هَذَا مِنْهُ ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .
وَلِأَنَّ تَحْرِيمَهُ لِكَوْنِهِ مَيْتَةً ، وَالْمَيْتَةُ لَا تُضْمَنُ بِالْجَزَاءِ .
وَكَذَلِكَ إنْ حَرُمَ عَلَيْهِ أَكْلُهُ لِلدَّلَالَةِ عَلَيْهِ ، وَالْإِعَانَةِ عَلَيْهِ ، فَأَكَلَ مِنْهُ ، لَمْ يَضْمَنْ ؛ لِأَنَّهُ صَيْدٌ مَضْمُونٌ بِالْجَزَاءِ مَرَّةً ، فَلَا يَجِبُ بِهِ جَزَاءٌ ثَانٍ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ .
وَإِنْ أَكَلَ مِمَّا صِيدَ لِأَجْلِهِ ، ضَمِنَهُ .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ .
وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ .
وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَكْلٌ لِلصَّيْدِ ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ الْجَزَاءُ ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ ثُمَّ أَكَلَهُ .
وَلَنَا ، إنَّهُ إتْلَافٌ مَمْنُوعٌ مِنْهُ لِحُرْمَةِ الْإِحْرَامِ ، فَتَعَلَّقَ بِهِ الضَّمَانُ ، كَالْقَتْلِ .
أَمَّا إذَا قَتَلَهُ ، ثُمَّ أَكَلَهُ ، لَا يُحَرَّمُ لِلْإِتْلَافِ ، إنَّمَا حُرِّمَ لِكَوْنِهِ مَيْتَةً .
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ بِمِثْلِهِ مِنْ اللَّحْمِ ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ مَضْمُونٌ بِمِثْلِهِ مِنْ النَّعَمِ ، فَكَذَلِكَ أَبْعَاضُهُ تُضْمَنُ بِمِثْلِهَا ، بِخِلَافِ حَيَوَانِ الْآدَمِيِّ ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ ، فَكَذَلِكَ أَبْعَاضُهُ .
وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالْقَاسِمِ ، وَسَالِمٍ ، وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ،