إصَابَةَ الْعَيْنِ ، لَمَا صَحَّتْ صَلَاةُ أَهْلِ الصَّفِّ الطَّوِيلِ عَلَى خَطٍّ مُسْتَوٍ ، وَلَا صَلَاةُ اثْنَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ يَسْتَقْبِلَانِ قِبْلَةً وَاحِدَةً ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَجَّهَ إلَى الْكَعْبَةِ مَعَ طُولِ الصَّفِّ إلَّا بِقَدْرِهَا .
فَإِنْ قِيلَ: مَعَ الْبَعِيدِ يَتَّسِعُ الْمُحَاذِي .
قُلْنَا: إنَّمَا يَتَّسِعُ مَعَ تَقَوُّسِ الصَّفِّ ، أَمَّا مَعَ اسْتِوَائِهِ فَلَا .
وَشَطْرَ الْبَيْتِ: نَحْوَهُ وَقِبَلَهُ .
فَصْلٌ: فَأَمَّا مَحَارِيبُ الْكُفَّارِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهَا ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ لَا يُسْتَدَلُّ بِهِ ، فَمَحَارِيبُهُمْ أَوْلَى ، إلَّا أَنْ نَعْلَمَ قِبْلَتَهُمْ كَالنَّصَارَى ، نَعْلَمُ أَنَّ قِبْلَتَهُمْ الْمَشْرِقُ ، فَإِذَا رَأَى مَحَارِيبَهُمْ فِي كَنَائِسِهِمْ عَلِمَ أَنَّهَا مُسْتَقْبِلَةٌ الْمَشْرِقَ .
وَإِنْ وَجَدَ مِحْرَابًا لَا يَعْلَمُ هَلْ هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ لِغَيْرِهِمْ ، اجْتَهَدَ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ إنَّمَا يَجُوزُ بِمَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا يُعْلَمُ وُجُودُ ذَلِكَ .
وَلَوْ رَأَى عَلَى الْمِحْرَابِ آثَارَ الْإِسْلَامِ ، لَمْ يُصَلِّ إلَيْهِ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْبَانِي لَهُ مُشْرِكًا مُسْتَهْزِئًا ، يَغُرُّ بِهِ الْمُسْلِمِينَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الِاحْتِمَالُ ، وَيَحْصُلَ لَهُ الْعِلْمُ أَنَّهُ مِنْ مَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ ، فَيَسْتَقْبِلَهُ .
فَصْلٌ: وَلَوْ صَلَّى عَلَى جَبَلٍ عَالٍ يَخْرُجُ عَنْ مُسَامَتَةِ الْكَعْبَةِ ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ .
وَكَذَلِكَ لَوْ صَلَّى فِي مَكَان يَنْزِلُ عَنْ مُسَامَتَتِهَا ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِقْبَالُهَا وَمَا يُسَامِتُهَا مِنْ فَوْقِهَا وَتَحْتِهَا ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ زَالَتْ الْكَعْبَةُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ صَحَّتْ الصَّلَاةُ إلَى مَوْضِعِ جِدَارِهَا .
فَصْلٌ: وَالْمُجْتَهِدُ فِي الْقِبْلَةِ هُوَ الْعَالِمُ بِأَدِلَّتِهَا ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ عَلِمَ أَدِلَّةَ شَيْءٍ كَانَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فِيهِ ، وَإِنْ جَهِلَ غَيْرَهُ ، وَلِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ اسْتِقْبَالِهَا بِدَلِيلِهِ ، فَكَانَ مُجْتَهِدًا فِيهَا كَالْفَقِيهِ ، وَلَوْ جَهِلَ الْفَقِيهُ أَدِلَّتَهَا أَوْ كَانَ أَعْمَى ، فَهُوَ مُقَلِّدٌ وَإِنْ عَلِمَ غَيْرَهَا .
وَأَوْثَقُ أَدِلَّتِهَا النُّجُومُ ،