وَيُفَارِقُ الْإِقْرَارُ الْبَيِّنَةَ لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِالْإِقْرَارِ بِالْقَبْضِ قَبْلَهُ ، وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْقَبْضِ قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ شَهَادَةَ زُورٍ .
وَالثَّانِي ، أَنَّ إنْكَارَهُ مَعَ الشَّهَادَةِ طَعْنٌ فِي الْبَيِّنَةِ ، وَتَكْذِيبٌ لَهَا ، وَفِي الْإِقْرَارِ بِخِلَافِهِ .
وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي فِي"الْمُجَرَّدِ"غَيْرَ هَذَا الْوَجْهِ .
وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ اقْتَرَضَ مِنْهُ أَلْفًا وَقَبَضَهَا ، أَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ .
ثُمَّ قَالَ: مَا كُنْت قَبَضْتهَا ، وَإِنَّمَا أَقْرَرْت لِأَقْبِضَهَا .
فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ .
وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَقَرَّ بِقَبْضِ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ وَكِيلِهِ وَظَنِّهِ ، وَالشَّهَادَةُ لَا تَجُوزُ إلَّا عَلَى الْيَقِينِ .
فَأَمَّا إنْ أَقَرَّ أَنَّهُ وَهَبَهُ طَعَامًا ، ثُمَّ قَالَ: مَا أَقْبَضْتُكَهُ .
وَقَالَ الْمُتَّهِبُ: بَلْ أَقْبَضْتنِيهِ .
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَاهِبِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَبْضِ .
وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْمُتَّهِبِ ، فَقَالَ: أَقْبَضْتنِيهَا .
فَقَالَ: بَلْ أَخَذْتهَا مِنِّي بِغَيْرِ إذْنِي .
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَاهِبِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِذْنِ .
وَإِنْ كَانَتْ حِينَ الْهِبَةِ فِي يَدِ الْمُتَّهِبِ ، لَمْ يُعْتَبَرْ إذْنُ الْوَاهِبِ ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ مُضِيُّ مُدَّةٍ يَتَأَتَّى الْقَبْضُ فِيهَا .
وَعَلَى مَنْ قُلْنَا: الْقَوْلُ قَوْلُهُ .
مِنْهُمَا الْيَمِينُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .
مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ: ( وَالْإِقْرَارُ بِدَيْنٍ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، كَالْإِقْرَارِ فِي الصِّحَّةِ ، إذَا كَانَ لِغَيْرِ وَارِثٍ )
هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ .
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ إقْرَارَ الْمَرِيضِ فِي مَرَضِهِ لِغَيْرِ الْوَارِثِ جَائِزٌ .
وَحَكَى أَصْحَابُنَا رِوَايَةً أُخْرَى ؛ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ ، أَشْبَهَ الْإِقْرَارَ لِوَارِثِ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ ؛