لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إقْرَارًا )
حَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِإِقْرَارٍ .
اخْتَارَهُ الْقَاضِي ، وَقَالَ: لَمْ أَجِدْ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً بِغَيْرِ هَذَا .
وَالثَّانِيَةُ ، أَنَّهُ مُقِرٌّ بِالْحَقِّ ، مُدَّعٍ لِقَضَائِهِ ، فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِالْقَضَاءِ ؛ وَإِلَّا حَلَفَ غَرِيمُهُ وَأَخَذَ .
وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالدَّيْنِ ، وَادَّعَى الْقَضَاءَ ، فَلَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ ، كَمَا لَوْ ادَّعَى الْقَضَاءَ بِكَلَامِ مُنْفَصِلٍ ، وَلِأَنَّهُ رَفَعَ جَمِيعَ مَا أَثْبَتَهُ ، فَلَمْ يُقْبَلْ ، كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ .
وَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ .
وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ قَوْلٌ مُتَّصِلٌ ، يُمْكِنُ صِحَّتُهُ ، وَلَا تَنَاقُضَ فِيهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ كَاسْتِثْنَاءِ الْبَعْضِ ، وَفَارَقَ الْمُنْفَصِلَ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَوَّلِ قَدْ اسْتَقَرَّ بِسُكُوتِهِ عَلَيْهِ ، فَلَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِ ، وَلِذَلِكَ لَا يَرْتَفِعُ بَعْضُهُ بِاسْتِثْنَاءِ وَلَا غَيْرِهِ ، فَمَا يَأْتِي بَعْدَهُ مِنْ دَعْوَى الْقَضَاءِ يَكُونُ دَعْوَى مُجَرَّدَةً ، لَا تُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةِ ، وَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ فَمُتَنَاقِضٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ أَلْفٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ .
فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ ، وَقَضَيْتُهُ مِنْهَا خَمْسِينَ .
فَالْكَلَامُ فِيهَا كَالْكَلَامِ فِيمَا إذَا قَالَ: وَقَضَيْتهَا .
وَإِنْ قَالَ لَهُ إنْسَانٌ: لِي عَلَيْك مِائَةٌ .
فَقَالَ: قَضَيْتُك مِنْهَا خَمْسِينَ .
فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَكُونُ مُقِرًّا بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ الْخَمْسِينَ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهُ قَضَاهَا فِي كَلَامِهِ مَا تَمْنَعُ بَقَاءَهَا ، وَهُوَ دَعْوَى الْقَضَاءِ ، وَبَاقِي الْمِائَةِ لَمْ يَذْكُرْهَا ، وَقَوْلُهُ: مِنْهَا .
يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا مِمَّا يَدَّعِيه ، وَيَحْتَمِلُ مِمَّا عَلَيَّ ، فَلَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ
شَيْءٌ بِكَلَامٍ مُحْتَمِلٍ .
وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنْ يَلْزَمَهُ الْخَمْسُونَ الَّتِي ادَّعَى قَضَاءَهَا ؛ لِأَنَّ فِي