ضِمْنِ دَعْوَى الْقَضَاءِ إقْرَارًا بِأَنَّهَا كَانَتْ عَلَيْهِ ، فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى الْقَضَاءِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ .
فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: كَانَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ .
وَسَكَتَ ، لَزِمَهُ الْأَلْفُ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَصْحَابِنَا .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ فِي الْآخَرِ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ ، وَلَيْسَ هَذَا بِإِقْرَارٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ عَلَيْهِ شَيْئًا فِي الْحَالِ ، إنَّمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ فَجَازَ فِي زَمَنٍ مَاضٍ ، فَلَا يَثْبُتْ فِي الْحَالِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِهِ لَمْ يَثْبُتْ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْوُجُوبِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا يَرْفَعُهُ ، فَبَقِيَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ ، وَلِهَذَا لَوْ تَنَازَعَا دَارًا ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ أَنَّهَا كَانَتْ مِلْكَهُ ، حُكِمَ بِهَا لَهُ ، إلَّا أَنَّهُ هَاهُنَا إنْ عَادَ فَادَّعَى الْقَضَاءَ أَوْ الْإِبْرَاءَ ، سُمِعَتْ دَعْوَاهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ إقْرَارِهِ وَبَيْنَ مَا يَدَّعِيه .
فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ ، قَضَيْته إيَّاهَا .
لَزِمَهُ الْأَلْفُ ، وَلَمْ تُقْبَلْ دَعْوَى الْقَضَاءِ .
وَقَالَ الْقَاضِي: تُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ رَفَعَ مَا أَثْبَتَهُ بِدَعْوَى الْقَضَاءِ مُتَّصِلًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: كَانَ لَهُ عَلَيَّ ، وَقَضَيْته .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى إنْ قَالَ: قَضَيْت جَمِيعَهُ .
لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ، وَلَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ ، وَلَهُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ .
وَلَوْ قَالَ: قَضَيْت بَعْضَهُ .
قُبِلَ مِنْهُ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ رَفَعَ بَعْضَ مَا أَقَرَّ بِهِ بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَثْنَاهُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: قَضَيْت جَمِيعَهُ .
لِكَوْنِهِ رَفَعَ جَمِيعَ مَا هُوَ ثَابِتٌ ، فَأَشْبَهَ اسْتِثْنَاءَ الْكُلِّ .
وَلَنَا ، أَنَّ هَذَا قَوْلٌ مُتَنَاقِضٌ ، إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ أَلْفٌ قَدْ قَضَاهُ ، فَإِنَّ كَوْنَهُ عَلَيْهِ يَقْتَضِي بَقَاءَهُ فِي ذِمَّتِهِ ، وَاسْتِحْقَاقَ مُطَالَبَتِهِ بِهِ ، وَقَضَاؤُهُ يَقْتَضِي بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ مِنْهُ ، وَتَحْرِيمَ مُطَالَبَتِهِ بِهِ ، وَالْإِقْرَارُ بِهِ يَقْتَضِي ثُبُوتَهُ ، وَالْقَضَاءُ يَقْتَضِي رَفْعَهُ ، وَهَذَانِ ضِدَّانِ لَا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: كَانَ لَهُ عَلَيَّ ، وَقَضَيْته .
فَإِنَّهُ أَخْبَرَ بِهِمَا فِي زَمَانَيْنِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَرْتَفِعَ مَا كَانَ ثَابِتًا ، وَيَقْضِيَ مَا كَانَ دَيْنًا ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ هَذَا فِي الْجَمِيعِ ، لَمْ يَصِحَّ فِي الْبَعْضِ ؛ لِاسْتِحَالَةِ بَقَاءِ أَلْفٍ عَلَيْهِ وَقَدْ قَضَى بَعْضَهُ ،