النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَقَ جَمِيعَ رَأْسِهِ ، تَفْسِيرًا لِمُطْلَقِ الْأَمْرِ بِهِ ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ تَعَلَّقَ بِالرَّأْسِ فَوَجَبَ اسْتِيعَابُهُ بِهِ ، كَالْمَسْحِ .
فَإِنْ كَانَ الشَّعْرُ مَضْفُورًا ، قَصَّرَ مِنْ رُءُوسِ ضَفَائِرِهِ .
كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: تُقَصِّرُ الْمَرْأَةُ مِنْ جَمِيعِ قُرُونِهَا .
وَلَا يَجِبُ التَّقْصِيرُ مِنْ كُلِّ شَعْرَةٍ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْلَمُ إلَّا بِحَلْقِهِ .
وَقَالَ أَحْمَدُ: يُقَصِّرُ قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ .
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .
وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: وَبِأَيِّ شَيْءٍ قَصَّرَ الشَّعْرَ أَجْزَأَهُ .
وَكَذَلِكَ لَوْ نَتَفَهُ ، أَوْ أَزَالَهُ بِنَوْرَةٍ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ إزَالَتُهُ ، وَالْأَمْرُ بِهِ مُطْلَقٌ ، فَيَتَنَاوَلُ ، مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ، وَلَكِنَّ السُّنَّةَ الْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ ، اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ، وَيُسْتَحَبُّ الْبِدَايَةُ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ .
نَصَّ عَلَيْهِ ؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْحَلَّاقِ: خُذْ .
وَأَشَارَ إلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ ، ثُمَّ الْأَيْسَرِ ، ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
{ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ التَّيَامُنُ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
قَالَ أَحْمَدُ: يَبْدَأُ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ ، حَتَّى يُجَاوِزَ الْعَظْمَتَيْنِ .
وَإِنْ قَصَّرَ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ مَا نَزَلَ عَنْ حَدِّ الرَّأْسِ ، أَوْ مِمَّا يُحَاذِيهِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّقْصِيرُ ، وَقَدْ حَصَلَ ، بِخِلَافِ الْمَسْحِ فِي الْوُضُوءِ ؛ فَإِنَّ الْوَاجِبَ الْمَسْحُ عَلَى الرَّأْسِ ، وَهُوَ مَا تَرَأَّسَ وَعَلَا .