فَصْلٌ: وَالْحُكْمُ فِي الْكَافِرِ يُسْلِمُ ، وَالْمَجْنُونِ يُفِيقُ ، حُكْمُ الصَّبِيِّ يَبْلُغُ فِي جَمِيعِ مَا فَصَّلْنَاهُ ، إلَّا أَنَّ هَذَيْنِ لَا يَصِحُّ مِنْهُمَا إحْرَامٌ ، وَلَوْ أَحْرَمَا لَمْ يَنْعَقِدْ إحْرَامُهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْعِبَادَات ، وَيَكُونُ حُكْمُهُمَا حُكْمَ مَنْ لَمْ يُحْرِمْ .
فَصْلٌ: وَقَدْ بَقِيَ مِنْ أَحْكَامِ حَجِّ الْعَبْدِ أَرْبَعَةُ فُصُولٍ: أَحَدُهَا ، فِي حُكْمِ إحْرَامِهِ .
الثَّانِي ، فِي حُكْمِ نَذْرِهِ لِلْحَجِّ .
الثَّالِثُ ، فِي حُكْمِ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْجِنَايَاتِ عَلَى إحْرَامِهِ .
الرَّابِعُ ، حُكْمُ إفْسَادِهِ وَفَوَاتِهِ .
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي إحْرَامِهِ: وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يُحْرِمَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ بِهِ حُقُوقَ سَيِّدِهِ الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِ ، بِالْتِزَامِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، فَإِنْ فَعَلَ ، انْعَقَدَ إحْرَامُهُ صَحِيحًا ، لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ فَصَحَّ مِنْ الْعَبْدِ الدُّخُولُ فِيهَا بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ، كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ ، وَلِسَيِّدِهِ تَحْلِيلُهُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ فِي بَقَائِهِ عَلَيْهِ تَفْوِيتًا لِحَقِّهِ مِنْ مَنَافِعِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ سَيِّدَهُ ، كَالصَّوْمِ الْمُضِرِّ بِبَدَنِهِ .
وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ .
وَإِذَا حَلَّلَهُ مِنْهُ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَحْصَرِ .
وَالثَّانِيَةُ ، لَيْسَ لَهُ تَحْلِيلُهُ .
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّحَلُّلُ مِنْ تَطَوُّعِهِ ، فَلَمْ يَمْلِكْ تَحْلِيلَ عَبْدِهِ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ التَّطَوُّعَ بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ ، فَنَظِيرُهُ أَنْ يُحْرِمَ عَبْدُهُ بِإِذْنِهِ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا يُفَوِّتُ حَقَّهُ الْوَاجِبَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ .
فَأَمَّا إنْ أَحْرَمَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ، فَلَيْسَ لَهُ تَحْلِيلُهُ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مَلَّكَهُ مَنَافِعَ نَفْسِهِ ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا ، كَالْمُعِيرِ يَرْجِعُ فِي الْعَارِيَّةِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ ، عَقَدَهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ ، كَالنِّكَاحِ ، وَلَا يُشْبِهُ الْعَارِيَّةَ ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لَازِمَةً .
وَلَوْ أَعَارَهُ شَيْئًا لِيَرْهَنَهُ ، فَرَهَنَهُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ