يُضَيِّقُ عَلَى الْمَارَّةِ ، لَمْ يَحِلّ لَهُ الْجُلُوسُ فِيهِ ، وَلَا يَحِلُّ لِلْإِمَامِ تَمْكِينُهُ بِعِوَضٍ ، وَلَا غَيْرِهِ .
قَالَ أَحْمَدُ: مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَشْتَرِيَ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَبِيعُونَ عَلَى الطَّرِيقِ .
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الطَّرِيقَ ضَيِّقٌ ، أَوْ يَكُونُ يُؤْذِي الْمَارَّةَ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ وَقَالَ: لَا يُعْجِبُنِي الطَّحْنُ فِي الْعُرُوبِ إذَا كَانَتْ فِي طَرِيقِ النَّاسِ .
وَهُوَ السُّفُنُ الَّتِي يُطْحَنُ فِيهَا فِي الْمَاءِ الْجَارِي .
إنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ ، لِتَضْيِيقِهَا طَرِيقَ السُّفُنِ الْمَارَّةِ فِي الْمَاءِ .
قَالَ أَحْمَدُ: رُبَّمَا غَرِقَتْ السُّفُنُ ، فَأَرَى لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَوَقَّى الشِّرَاءَ مِمَّا يُطْحَنُ بِهَا .
فَصْلٌ: فِي الْقَطَائِعِ ، وَهِيَ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا إقْطَاعُ إرْفَاقٍ ، وَذَلِكَ إقْطَاعُ مَقَاعِدِ السُّوقِ ، وَالطُّرُقِ الْوَاسِعَةِ ، وَرِحَابِ الْمَسَاجِدِ ، الَّتِي ذَكَرْنَا أَنَّ لِلسَّابِقِ إلَيْهَا الْجُلُوسَ فِيهَا ، فَلِلْإِمَامِ إقْطَاعُهَا لِمَنْ يَجْلِسُ فِيهَا ؛ لِأَنَّ لَهُ فِي ذَلِكَ اجْتِهَادًا ، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجُلُوسُ إلَّا فِيمَا لَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ ، فَكَانَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُجْلِسَ فِيهَا مَنْ لَا يَرَى أَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِجُلُوسِهِ .
وَلَا يَمْلِكُهَا الْمُقْطَعُ بِذَلِكَ ، بَلْ يَكُونُ أَحَقَّ بِالْجُلُوسِ فِيهَا مِنْ غَيْرِهِ ، بِمَنْزِلَةِ السَّابِقِ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ إقْطَاعٍ سَوَاءً ، إلَّا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ أَنَّ السَّابِقَ إذَا نَقَلَ مَتَاعَهُ عَنْهَا ، فَلِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِيهَا ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ لَهَا بِسَبْقِهِ إلَيْهَا ، وَمُقَامِهِ فِيهَا ، فَإِذَا انْتَقَلَ عَنْهَا ، زَالَ اسْتِحْقَاقُهُ ، لِزَوَالِ الْمَعْنَى الَّذِي اسْتَحَقَّ بِهِ ، وَهَذَا اسْتَحَقَّ بِإِقْطَاعِ الْإِمَامِ ، فَلَا يَزُولُ حَقُّهُ بِنَقْلِ مَتَاعِهِ ، وَلَا لِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِيهِ ، وَحُكْمُهُ فِي التَّظْلِيلِ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا لَيْسَ بِنَاءً ، وَمَنْعِهِ مِنْ الْبِنَاءِ ، وَمَنْعِهِ إذَا طَالَ مُقَامُهُ ، حُكْمُ السَّابِقِ ، عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ .
الثَّانِي إقْطَاعُ مَوَاتٍ مِنْ الْأَرْضِ لِمَنْ يُحْيِيهَا ، فَيَجُوزُ ذَلِكَ ؛ لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْطَعَهُ أَرْضًا ، فَأَرْسَلَ مُعَاوِيَةَ أَنْ أَعْطِهِ إيَّاهُ ، أَوْ أَعْلِمْهُ إيَّاهُ .