كَثِيرَةٍ سِوَى هَذِهِ .
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَالْحِكْمَةُ تَقْتَضِيهِ ؛ لِأَنَّ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ تَتَعَلَّقُ بِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ ، وَصَاحِبُهُ لَا يَبْذُلُهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، فَفِي شَرْعِ الْبَيْعِ وَتَجْوِيزِهِ شَرْعُ طَرِيقٍ إلَى وُصُولِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى غَرَضِهِ ، وَدَفْعِ حَاجَتِهِ .
فَالْإِيجَابُ ، أَنْ يَقُولَ: بِعْتُك أَوْ مَلَّكْتُك ، أَوْ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَيْهِمَا .
وَالْقَبُولُ ، أَنْ يَقُولَ: اشْتَرَيْت ، أَوْ قَبِلْت ، وَنَحْوَهُمَا .
فَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَبُولُ عَلَى الْإِيجَابِ بِلَفْظِ الْمَاضِي ، فَقَالَ: ابْتَعْت مِنْك .
فَقَالَ: بِعْتُك .
صَحَّ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وُجِدَ مِنْهُمَا عَلَى وَجْهٍ تَحْصُلُ مِنْهُ الدَّلَالَةُ عَلَى تَرَاضِيهِمَا بِهِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ تَقَدَّمَ الْإِيجَابُ .
وَإِنْ تَقَدَّمَ بِلَفْظِ الطَّلَبِ ، فَقَالَ: بِعْنِي ثَوْبَك .
فَقَالَ: بِعْتُك .
فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ، إحْدَاهُمَا ، يَصِحُّ كَذَلِكَ .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .
وَالثَّانِيَةُ ، لَا يَصِحُّ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ عَنْ الْإِيجَابِ ، لَمْ يَصِحَّ بِهِ الْبَيْعُ ، فَلَمْ يَصِحَّ إذَا تَقَدَّمَ ، كَلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَرِيَ عَنْ الْقَبُولِ ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَطْلُبْ .
وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ فِيمَا إذَا تَقَدَّمَ بِلَفْظِ الْمَاضِي ، رِوَايَتَيْنِ أَيْضًا ، فَأَمَّا إنْ تَقَدَّمَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: أَتَبِيعُنِي ثَوْبَك بِكَذَا ؟ فَيَقُولُ: بِعْتُك .
لَمْ يَصِحَّ بِحَالٍ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَلَا نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِقَبُولٍ وَلَا اسْتِدْعَاءٍ .
الضَّرْبُ الثَّانِي ، الْمُعَاطَاةُ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَعْطِنِي بِهَذَا الدِّينَارِ خُبْزًا .
فَيُعْطِيهِ مَا يُرْضِيهِ ، أَوْ يَقُولَ: خُذْ هَذَا الثَّوْبَ بِدِينَارٍ .
فَيَأْخُذُهُ ، فَهَذَا بَيْعٌ صَحِيحٌ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي مَنْ قَالَ لِخَبَّازٍ: كَيْفَ تَبِيعُ الْخُبْزَ ؟ قَالَ: كَذَا بِدِرْهَمٍ .
قَالَ: زِنْهُ ، وَتَصَدَّقْ بِهِ .
فَإِذَا وَزَنَهُ فَهُوَ عَلَيْهِ .
وَقَوْلُ مَالِكٍ نَحْوٌ مِنْ هَذَا ، فَإِنَّهُ قَالَ: يَقَعُ الْبَيْعُ بِمَا يَعْتَقِدُهُ النَّاسُ بَيْعًا .
وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: يَصِحُّ فِي خَسَائِسِ
الْأَشْيَاءِ .
وَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي مِثْلُ هَذَا ، قَالَ: يَصِحُّ فِي الْأَشْيَاءِ الْيَسِيرَةِ