تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ .
وَقَالَ: { ثُمَّ مَحِلُّهَا إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ } .
وَلِأَنَّهُ ذَبْحٌ يَتَعَلَّقُ بِالْإِحْرَامِ ، فَلَمْ يَجُزْ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ ، كَدَمِ الطِّيبِ وَاللِّبَاسِ .
قُلْنَا: الْآيَةُ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُحْصَرِ ، وَلَا يُمْكِنُ قِيَاسُ الْمُحْصَرِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ تَحَلُّلَ الْمُحْصَرِ فِي الْحِلِّ ، وَتَحَلُّلَ غَيْرِهِ فِي الْحَرَمِ ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا يَنْحَرُ فِي مَوْضِعِ تَحَلُّلِهِ .
وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ: { حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } .
أَيْ حَتَّى يُذْبَحَ ، وَذَبْحُهُ فِي حَقِّ الْمُحْصَرِ فِي مَوْضِعِ حِلِّهِ ، اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَصْلٌ: وَمَتَى كَانَ الْمُحْصَرُ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ ، فَلَهُ التَّحَلُّلُ وَنَحْرُ هَدْيِهِ وَقْتَ حَصْرِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ ، حَلُّوا وَنَحَرُوا هَدَايَاهُمْ بِهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ .
وَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا ، فَكَذَلِكَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ ، فَجَازَ الْحِلُّ مِنْهُ وَنَحْرُ هَدْيِهِ وَقْتَ حَصْرِهِ ، كَالْعُمْرَةِ ، وَلِأَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَفُوتُ ، وَجَمِيعُ الزَّمَانِ وَقْتٌ لَهَا ، فَإِذَا جَازَ الْحِلُّ مِنْهَا وَنَحْرُ هَدْيِهَا مِنْ غَيْرِ خَشْيَةِ فَوَاتِهَا ، فَالْحَجُّ الَّذِي يُخْشَى فَوَاتُهُ أَوْلَى .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يَحِلُّ ، وَلَا يَنْحَرُ هَدْيَهُ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ .
نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، وَحَنْبَلٍ ؛ لِأَنَّ لِلْهَدْيِ مَحِلَّ زَمَانٍ وَمَحِلَّ مَكَان .
فَإِنْ عَجَزَ مَحِلُّ الْمَكَانِ فَسَقَطَ ، بَقِيَ مَحِلُّ الزَّمَانِ وَاجِبًا لِإِمْكَانِهِ ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ لَهُ نَحْرُ الْهَدْيِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ ، لَمْ يَجُزْ التَّحَلُّلُ ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: { وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } .
وَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِ التَّحَلُّلِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ ، فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ مَعَ ذَلِكَ الْإِقَامَةُ مَعَ إحْرَامِهِ ، رَجَاءَ زَوَالِ الْحَصْرِ ، فَمَتَى زَالَ قَبْلَ تَحَلُّلِهِ ، فَعَلَيْهِ الْمُضِيُّ لِإِتْمَامِ نُسُكِهِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: قَالَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إنَّ مَنْ يَئِسِ أَنْ