وَدُخَانِهِ ، أَوْ يَحْفِرَ فِي أَصْلِ حَائِطِهِ حَشًّا يَتَأَذَّى جَارُهُ بِرَائِحَتِهِ وَغَيْرِهَا ، أَوْ يَجْعَلَ دَارِهِ مَخْبِزًا فِي وَسَطِ الْعَطَّارِينَ وَنَحْوِهِ ، مِمَّا يُؤْذِي جِيرَانَهُ ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ ذَلِكَ كُلُّهُ ، لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مُبَاحٌ فِي مِلْكِهِ ، أَشْبَهَ بِنَاءَهُ وَنَقْضَهُ .
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } .
وَلِأَنَّهُ إحْدَاثُ ضَرَرٍ بِجَارِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَالدَّقِّ الَّذِي يَهُزُّ الْحِيطَانَ وَيُخَرِّبُهَا ، وَكَإِلْقَاءِ السَّمَادِ وَالتُّرَابِ وَنَحْوِهِ فِي أَصْلِ حَائِطِهِ عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ بِهِ وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ مَصْنَعُ مَاءٍ ، فَأَرَادَ جَارُهُ غَرْسَ شَجَرَةِ تِينٍ قَرِيبًا مِنْهُ أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا تَسْرِي عُرُوقُهُ فَتَشُقُّ حَائِطَ مَصْنَعِ جَارِهِ ، وَيُتْلِفُهُ ، لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ ، وَكَانَ لِجَارِهِ مَنْعُهُ وَقَلْعُهَا إنْ غَرَسَهَا .
وَلَوْ كَانَ هَذَا الَّذِي يَحْصُلُ مِنْهُ الضَّرَرُ
سَابِقًا ، مِثْلُ مَنْ لَهُ فِي مِلْكِهِ مَدْبَغَةٌ أَوْ مُقَصِّرَة ، فَأَحْيَا إنْسَانٌ إلَى جَانِبِهِ مَوَاتًا ، وَبَنَاهُ دَارًا ، يَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ ، لَمْ يَلْزَمْ إزَالَةُ الضَّرَرِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ ضَرَرًا .
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
مَسْأَلَةٌ قَالَ: ( وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا أَحْيَاهُ ، أَوْ سَبَقَ إلَيْهِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ ، أَوْ غَيْرِ إذْنِهِ )
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ إحْيَاءَ الْمَوَاتِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِهِ ؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ مَدْخَلًا فِي النَّظَرِ فِي ذَلِكَ ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا فَلَمْ يُحْيِهِ ، فَإِنَّهُ يُطَالِبُهُ بِالْإِحْيَاءِ أَوْ التَّرْكِ ، فَافْتَقَرَ إلَى إذْنِهِ ، كَمَالِ بَيْتِ الْمَالِ وَلَنَا عُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: { مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً ، فَهِيَ لَهُ } .
وَلِأَنَّ هَذَا عَيْنٌ مُبَاحَةٌ ، فَلَا يَفْتَقِرُ تَمَلُّكُهَا إلَى إذْنِ الْإِمَامِ ، كَأَخْذِ