أَبُو الْخَطَّابِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَبْطُلَ خِيَارُهُ إذَا لَمْ يَمْنَعْهَا ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَهَا عَلَى ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى اسْتِمْتَاعِهِ بِهَا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنَّ قَبَّلَتْهُ لِشَهْوَةِ بَطَلَ خِيَارُهُ ، لِأَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ يَخْتَصُّ الْمِلْكَ ، فَأَبْطَلَ خِيَارَهُ ، كَقُبْلَتِهِ لَهَا .
وَلَنَا: أَنَّهَا قُبْلَةٌ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ، فَلَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ ، كَمَا لَوْ قَبَّلَتْ الْبَائِعَ .
وَلِأَنَّ الْخِيَارَ لَهُ ، لَا لَهَا ، فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ بِفِعْلِهَا لَأَلْزَمْنَاهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ ، وَلَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ ، وَفَارَقَ مَا إذَا قَبَّلَهَا ؛ فَإِنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِهَا .
وَمَتَى بَطَلَ خِيَارُ الْمُشْتَرِي بِتَصَرُّفِهِ ، فَخِيَارُ
الْبَائِعِ بَاقٍ بِحَالِهِ ؛ لِأَنَّ خِيَارَهُ لَا يَبْطُلُ بِرِضَا غَيْرِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي بِإِذْنِ الْبَائِعِ ، فَإِنَّهُ يَبْطُلُ خِيَارُهُمَا مَعًا ؛ لِوُجُودِ الرِّضَا مِنْهُمَا بِإِبْطَالِهِ .
وَإِنْ تَصَرَّفَ الْبَائِعُ فِي الْمَبِيعِ بِمَا يَفْتَقِرُ إلَى الْمِلْكِ ، كَانَ فَسْخًا لِلْبَيْعِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمُشْتَرِي .
وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ، فَتَصَرُّفُهُ فِي الْمَبِيعِ اخْتِيَارٌ لَهُ ، كَالْمُشْتَرِي .
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ انْتَقَلَ عَنْهُ ، فَلَمْ يَكُنْ تَصَرُّفُهُ فِيهِ اسْتِرْجَاعًا لَهُ ، كَمَنْ وَجَدَ مَالَهُ عِنْدَ مُفْلِسٍ ، فَتَصَرَّفَ فِيهِ .
فَصْلٌ: وَيَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إلَى الْمُشْتَرِي فِي بَيْعِ الْخِيَارِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْخِيَارِ لَهُمَا ، أَوْ لَأَحَدِهِمَا ، أَيَّهُمَا كَانَ ، وَهَذَا أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ .
وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَنْتَقِلُ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْخِيَارُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِي ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا وَلِلْبَائِعِ ، وَإِنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي خَرَجَ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ عَقْدٌ قَاصِرٌ ، فَلَمْ يَنْقُلْ الْمِلْكَ ، كَالْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ .
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ لِلشَّافِعِي: أَنَّ الْمِلْكَ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى ، فَإِنْ أَمْضَيَا الْبَيْعَ تَبَيَّنَّا أَنَّ الْمِلْكَ لِلْمُشْتَرِي ،