يَنْصَرِفُ إلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَمَا كَانَ .
وَرَوَى سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، حَدَّثَنَا جُوَيْبِرٌ ، عَنْ الضَّحَّاكِ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { كُلُّ مَسْجِدٍ لَهُ إمَامٌ وَمُؤَذِّنٌ ، فَالِاعْتِكَافُ فِيهِ يَصْلُحُ } .
وَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: { وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } يَقْتَضِي إبَاحَةَ الِاعْتِكَافِ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ ، إلَّا أَنَّهُ يُقَيَّدُ بِمَا تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ بِالْأَخْبَارِ ، وَالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ .
وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي اشْتِرَاطِهِ مَوْضِعًا تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ ، لَا يَصِحُّ ؛ لِلْأَخْبَارِ ، وَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَتَكَرَّرُ ، فَلَا يَضُرُّ وُجُوبُ الْخُرُوجِ إلَيْهَا ، كَمَا لَوْ اعْتَكَفَتْ الْمَرْأَةُ مُدَّةً يَتَخَلَّلُهَا أَيَّامُ حَيْضِهَا .
وَلَوْ كَانَ الْجَامِعُ تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ وَحْدَهَا ، وَلَا يُصَلَّى فِيهِ غَيْرُهَا ، لَمْ يَجُزْ الِاعْتِكَافُ فِيهِ .
وَيَصِحُّ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .
وَمَبْنَى الْخِلَافِ عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ وَاجِبَةٌ عِنْدَنَا ، فَيَلْتَزِمُ الْخُرُوجَ مِنْ مُعْتَكَفِهِ إلَيْهَا ، فَيَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ ، وَعِنْدَهُمْ لَيْسَتْ وَاجِبَةً .
فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ اعْتِكَافُهُ مُدَّةً غَيْرَ وَقْتِ الصَّلَاةِ ؛ كَلَيْلَةٍ أَوْ بَعْضِ يَوْمٍ ، جَازَ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ ؛ لِعَدَمِ الْمَانِعِ .
وَإِنْ كَانَتْ تُقَامُ فِيهِ فِي بَعْضِ الزَّمَانِ ، جَازَ الِاعْتِكَافُ فِيهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ دُونَ غَيْرِهِ .
وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَكِفُ مِمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ الْجَمَاعَةُ ، كَالْمَرِيضِ ، وَالْمَعْذُورِ ، وَمَنْ هُوَ فِي قَرْيَةٍ لَا يُصَلِّي فِيهَا سِوَاهُ ، جَازَ اعْتِكَافُهُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ الْجَمَاعَةُ ، فَأَشْبَهَ الْمَرْأَةَ .
وَإِنْ اعْتَكَفَ اثْنَانِ فِي مَسْجِدٍ لَا تُقَامُ فِيهِ جَمَاعَةٌ ، فَأَقَامَا الْجَمَاعَةَ فِيهِ ، صَحَّ اعْتِكَافُهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا أَقَامَا الْجَمَاعَةَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَقَامَهَا فِيهِ غَيْرُهُمَا .