فَأَمَّا تَخْصِيصُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخِطَابِ ، فَلَا يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ بِالْحُكْمِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، أَنْكَرُوا عَلَى مَانِعِي الزَّكَاةِ قَوْلَهُمْ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّ نَبِيَّهُ بِأَخْذِ الزَّكَاةِ ، بِقَوْلِهِ: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً } .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ } وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِهِ .
فَإِنْ قِيلَ: فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ ، وَلَمْ يُصَلِّ .
قُلْنَا: هَذَا كَانَ قَبْلَ نُزُولِ صَلَاةِ الْخَوْفِ ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَكُونُ نَاسِخًا لِمَا قَبْلَهُ ، ثُمَّ إنَّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ بَاطِلٌ فِي نَفْسِهِ ؛ إذْ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْخَوْفِ ، وَقَدْ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ ، فَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِمَا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالْإِجْمَاعَ .
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ نِسْيَانًا ، فَإِنَّهُ رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُمْ عَنْ صَلَاتِهَا ، فَقَالُوا: مَا صَلَّيْنَا } .
وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: مَا صَلَّيْت الْعَصْرَ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاَللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا .
أَوْ كَمَا جَاءَ ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا أَنَّهُ لَمْ
يَكُنْ ثَمَّ قِتَالٌ يَمْنَعُهُ مِنْ الصَّلَاةِ ، فَدَلَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .
مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ: ( وَصَلَاةُ الْخَوْفِ إذَا كَانَ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ وَهُوَ فِي سَفَرٍ ، صَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً ، وَأَتَمَّتْ لِأَنْفُسِهَا أُخْرَى بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُورَةٍ ، ثُمَّ ذَهَبَتْ تَحْرُسُ ، وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى الَّتِي بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ ، فَصَلَّتْ مَعَهُ رَكْعَةً وَأَتَمَّتْ لِأَنْفُسِهَا أُخْرَى بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُورَةٍ ، وَيُطِيلُ التَّشَهُّدَ حَتَّى يُتِمُّوا التَّشَهُّدَ ، وَيُسَلِّمُ بِهِمْ )
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْخَوْفَ لَا يُؤَثِّرُ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ