إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ ، فَالظَّاهِرُ إبَاحَتُهَا لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يُقِرُّونَ فِي بَلَدِهِمْ بَيْعَ مَا لَا يَحِلُّ بَيْعُهُ ظَاهِرًا .
وَالثَّانِي ، مَا أَصْلُهُ الْإِبَاحَةُ ، كَالْمَاءِ يَجِدُهُ مُتَغَيِّرًا ، لَا يَعْلَمُ أَبِنَجَاسَةٍ تَغَيَّرَ أَمْ بِغَيْرِهَا ؟ فَهُوَ طَاهِرٌ فِي الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ ، فَلَا نَزُولُ عَنْهَا إلَّا بِيَقِينٍ أَوْ ظَاهِرٍ ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا .
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، قَالَ: شُكِيَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ ، قَالَ: لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا .
وَالثَّالِثُ ، مَا لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ ، كَرَجُلٍ فِي مَالِهِ حَلَالٌ وَحَرَامٌ ، فَهَذَا هُوَ الشُّبْهَةُ ، الَّتِي الْأَوْلَى تَرْكُهَا ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، وَعَمَلًا بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ وَجَدَ تَمْرَةً سَاقِطَةً ، فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي أَخْشَى أَنَّهَا مِنْ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا } .
وَهُوَ مِنْ بَابِ الْوَرَعِ .
فَصْلٌ: وَكَانَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ ، لَا يَقْبَلُ جَوَائِزَ السُّلْطَانِ ، وَيُنْكِرُ عَلَى وَلَدِهِ وَعَمِّهِ قَبُولَهَا ، وَيُشَدِّدُ فِي ذَلِكَ ، وَمِمَّنْ كَانَ لَا يَقْبَلُهَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْقَاسِمُ ، وَبِشْرُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَكَانَ هَذَا مِنْهُمْ عَلَى سَبِيلِ الْوَرَعِ وَالتَّوَقِّي ، لَا عَلَى أَنَّهَا حَرَامٌ ، فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ: جَوَائِزُ السُّلْطَانِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الصَّدَقَةِ .
وَقَالَ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَّا وَلَهُ فِي هَذِهِ الدَّرَاهِمِ نَصِيبٌ فَكَيْفَ أَقُولُ: إنَّهَا سُحْتٌ ؟ وَمِمَّنْ كَانَ يَقْبَلُ جَوَائِزَهُمْ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ ، مِثْلُ الْحَسَنِ ، وَالْحُسَيْنِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ .
وَرَخَّصَ فِيهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمَكْحُولٌ ، وَالزُّهْرِيُّ