فَصْلٌ: وَإِذَا دَخَلَ الْمُصَلِّي بَلَدًا نَاوِيًا لِلْإِقَامَةِ فِيهِ ، لَمْ يُصَلِّ بَعْدَ دُخُولِهِ إلَيْهِ إلَّا صَلَاةَ الْمُقِيمِ .
وَإِنْ دَخَلَهُ مُجْتَازًا بِهِ ، غَيْرَ نَاوٍ لِلْإِقَامَةِ فِيهِ ، وَلَا نَازِلٍ بِهِ ، أَوْ نَازِلًا بِهِ ، ثُمَّ يَرْتَحِلُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ إقَامَةِ مُدَّةٍ يَلْزَمُهُ بِهَا إتْمَامُ الصَّلَاةِ ، اسْتَدَامَ الصَّلَاةَ مَا دَامَ سَائِرًا ، فَإِذَا نَزَلَ فِيهِ صَلَّى إلَى الْقِبْلَةِ ، وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ ، كَقَوْلِنَا فِي الْخَائِفِ إذَا أَمِنَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ .
وَلَوْ ابْتَدَأَهَا ، وَهُوَ نَازِلٌ إلَى الْقِبْلَةِ ، ثُمَّ أَرَادَ الرُّكُوبَ ، أَتَمَّ صَلَاتَهُ ، ثُمَّ رَكِبَ .
وَقِيلَ: يَرْكَبُ فِي الصَّلَاةِ وَيُتِمُّهَا إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ ، كَالْآمِنِ إذَا خَافَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ .
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ حَالَةَ الْخَوْفِ حَالَةُ ضَرُورَةٍ أُبِيحَ فِيهَا مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ ، وَهَذِهِ رُخْصَةٌ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ إلَيْهَا ، فَلَا يُبَاحُ فِيهَا غَيْرُ مَا نُقِلَ فِيهَا ، وَلَمْ يَرِدْ بِإِبَاحَةِ الرُّكُوبِ الَّذِي يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى عَمَلٍ وَتَوَجُّهٍ إلَى غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَلَا جِهَةِ سَيْرِهِ ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ .
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ: ( وَلَا يُصَلِّي فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ فَرْضًا وَلَا نَافِلَةً إلَّا مُتَوَجِّهًا إلَى الْكَعْبَةِ ؛ فَإِنْ كَانَ يُعَايِنُهَا فَبِالصَّوَابِ ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنْهَا فَبِالِاجْتِهَادِ بِالصَّوَابِ إلَى جِهَتِهَا )
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْفَرْضُ وَالنَّفَلُ ، كَالطَّهَارَةِ وَالسِّتَارَةِ ، وَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: { وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } عَامٌّ فِيهِمَا جَمِيعًا .
ثُمَّ إنْ كَانَ مُعَايِنًا لِلْكَعْبَةِ ، فَفَرْضُهُ الصَّلَاةُ إلَى عَيْنِهَا .
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ ؛ إنْ خَرَجَ بَعْضُهُ عَنْ مُسَامَتَةِ الْكَعْبَةِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ .
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: النَّاسُ فِي اسْتِقْبَالِهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ: مِنْهُمْ مَنْ يَلْزَمُهُ الْيَقِينُ ، وَهُوَ مَنْ كَانَ مُعَايِنًا لِلْكَعْبَةِ ، أَوْ كَانَ بِمَكَّةَ مِنْ أَهْلِهَا ، أَوْ نَاشِئًا بِهَا مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ مُحْدَثٍ كَالْحِيطَانِ ، فَفَرْضُهُ التَّوَجُّهُ إلَى عَيْنِ الْكَعْبَةِ يَقِينًا .
وَهَكَذَا إنْ كَانَ بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ