فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ سِمْسَارًا ، يَشْتَرِي لَهُ ثِيَابًا ، وَرَخَّصَ فِيهِ ابْنُ سِيرِينَ ، وَعَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ .
وَكَرِهَهُ الثَّوْرِيُّ ، وَحَمَّادٌ .
وَلَنَا أَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ ، تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهَا ، فَجَازَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا ، كَالْبِنَاءِ .
وَيَجُوزُ عَلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ ، مِثْلِ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ يَشْتَرِي لَهُ فِيهَا ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ مَعْلُومَةٌ ، وَالْعَمَلَ مَعْلُومٌ ، أَشْبَهَ الْخَيَّاطَ وَالْقَصَّارَ .
فَإِنْ عَيَّنَ الْعَمَلَ دُونَ الزَّمَانِ ، فَجَعَلَ لَهُ مِنْ كُلِّ أَلْفِ دِرْهَمٍ شَيْئًا مَعْلُومًا ، صَحَّ أَيْضًا وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا اشْتَرَيْت ثَوْبًا ، فَلَكَ دِرْهَمٌ أَجْرًا .
وَكَانَتْ الثِّيَابُ مَعْلُومَةً بِصِفَةٍ ، أَوْ مُقَدَّرَةً بِثَمَنٍ ، جَازَ .
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الثِّيَابَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَثْمَانِهَا ، وَالْأَجْرُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا ، فَإِنْ اشْتَرَى ، فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ .
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ عَمَلًا بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ ، فَكَانَ لَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ ، كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ الْفَاسِدَةِ .
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ ضِرَابَ الْفَحْلِ ، وَحَمْلَ الْحَجَرِ الْكَبِيرِ .
وَلَنَا أَنَّهُ عَمَلٌ مُبَاحٌ ، تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهِ ، وَهُوَ مَعْلُومٌ ، فَجَازَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ كَشِرَاءِ الثِّيَابِ ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ عَقْدُ الْإِجَارَةِ عَلَيْهِ مُقَدَّرًا بِزَمَنٍ ، فَجَازَ مُقَدَّرًا بِعَمَلٍ ، كَالْخِيَاطَةِ وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ .
لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ الثِّيَابَ لَا تَنْفَكُّ عَنْ رَاغِبٍ فِيهَا ، وَلِذَلِكَ صَحَّتْ الْمُضَارَبَةُ ، وَلَا تَكُونُ إلَّا بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ ، بِخِلَافِ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ مُتَعَذِّرٌ .
وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى شِرَاءِ ثِيَابٍ مُعَيَّنَةٍ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ وَاحِدٍ ، وَقَدْ لَا يَبِيعُ ، فَيَتَعَذَّرُ تَحْصِيلُ الْعَمَلِ بِحُكْمِ