فَصْلٌ: وَإِنْ تَزَوَّجَ ، صَحَّ النِّكَاحُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ ، وَبِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَ: أَبُو الْخَطَّابِ لَا يَصِحُّ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ يَجِبُ بِهِ مَالٌ ، فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ ، كَالشِّرَاءِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ عَقْدٌ غَيْرُ مَالِيٍّ ، فَصَحَّ مِنْهُ ، كَخُلْعِهِ وَطَلَاقِهِ ، وَإِنْ لَزِمَ مِنْهُ الْمَالُ ، فَحُصُولُهُ بِطَرِيقِ الضِّمْنِ ، فَلَا يَمْنَعُ مِنْ الْعَقْدِ ، كَمَا لَوْ لَزِمَ ذَلِكَ مِنْ الطَّلَاقِ .
فَصْلٌ: وَيَصِحُّ تَدْبِيرُهُ وَوَصِيَّتُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَحْضُ مَصْلَحَتِهِ لِأَنَّهُ تَقَرَّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَالِهِ بَعْدَ غِنَاهُ عَنْهُ .
وَيَصِحُّ اسْتِيلَادُهُ ، وَتَعْتِقُ الْأَمَةُ الْمُسْتَوْلَدَةُ بِمَوْتِهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَحَّ ذَلِكَ مِنْ الْمَجْنُونِ ، فَمِنْ السَّفِيهِ أَوْلَى .
وَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْقِصَاصِ ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلتَّشَفِّي وَالِانْتِقَامِ ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ .
وَلَهُ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ ؛ لِأَنَّهُ تَحْصِيلٌ لِلْمَالِ ، لَا تَضْيِيعٌ لَهُ .
وَإِنْ عَفَا عَلَى غَيْرِ مَالٍ نَظَرْتَ ؛ فَإِنْ قُلْنَا: الْوَاجِبُ الْقِصَاصُ عَيْنًا .
صَحَّ عَفْوُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَضَمَّنْ تَضْيِيعَ الْمَالِ .
وَإِنْ قُلْنَا: أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ .
لَمْ يَصِحَّ عَفْوُهُ عَنْ الْمَالِ ، وَوَجَبَ الْمَالُ ، كَمَا لَوْ سَقَطَ الْقِصَاصُ بِعَفْوِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ .
وَإِنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ، صَحَّ إحْرَامُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ، أَشْبَهَ غَيْرَهُ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ عِبَادَةٌ ، فَصَحَّتْ مِنْهُ ، كَسَائِرِ عِبَادَاتِهِ .
ثُمَّ إنْ كَانَ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ ، دُفِعَ إلَيْهِ النَّفَقَةُ مِنْ مَالِهِ لِيُسْقِطَ الْفَرْضَ عَنْ نَفْسِهِ ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَكَانَتْ نَفَقَتُهُ فِي السَّفَرِ كَنَفَقَتِهِ فِي الْحَضَرِ ، دُفِعَتْ إلَيْهِ ، لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي إحْرَامِهِ .
وَإِنْ كَانَتْ نَفَقَةُ السَّفَرِ أَكْثَرَ ، فَقَالَ: أَنَا أَكْتَسِبُ تَمَامَ نَفَقَتِي ، دُفِعَتْ إلَيْهِ أَيْضًا ، لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ بِمَالِهِ .
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ ، فَلِوَلِيِّهِ تَحْلِيلُهُ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَضْيِيعِ مَالِهِ ، وَيَتَحَلَّلُ بِالصِّيَامِ كَالْمُعْسِرِ ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَمْلِكَ وَلِيُّهُ تَحْلِيلَهُ ، بِنَاءً عَلَى الْعَبْدِ إذَا أَحْرَمَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ .
وَإِنْ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ ، أَوْ عَادَ فِي ظِهَارِهِ ، أَوْ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ بِالْقَتْلِ أَوْ الْوَطْءِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ ، كَفَّرَ بِالصِّيَامِ لِذَلِكَ .
وَإِنْ أَعْتَقَ أَوْ أَطْعَمَ عَنْ ذَلِكَ ، لَمْ يُجْزِهِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ؛
لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ مَالِهِ ، أَشْبَهَ الْمُفْلِسَ .