الْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ .
وَفِيهِ أَنَّهُ تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ قَبْلَ اغْتِسَالِهِ .
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: غَسْلُ رِجْلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ وَبَعْدَهُ وَقَبْلَهُ سَوَاءٌ .
وَلَعَلَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ اخْتِلَافَ الْأَحَادِيثِ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَوْضِعَ الْغُسْلِ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ أَصْلُ الْغَسْلِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ: ( وَإِنْ غَسَلَ مَرَّةً ، وَعَمَّ بِالْمَاءِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ، أَجْزَأَهُ ، بَعْدَ أَنْ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْشِقَ وَيَنْوِيَ بِهِ الْغُسْلَ وَالْوُضُوءَ ، وَكَانَ تَارِكًا لِلِاخْتِيَارِ )
هَذَا الْمَذْكُورُ صِفَةُ الْإِجْزَاءِ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُخْتَارُ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ:"وَكَانَ تَارِكًا لِلِاخْتِيَارِ".
يَعْنِي إذَا اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا أَجْزَأَهُ مَعَ تَرْكِهِ لِلْأَفْضَلِ وَالْأَوْلَى .
وَقَوْلُهُ:"وَيَنْوِيَ بِهِ الْغُسْلَ وَالْوُضُوءَ".
يَعْنِي أَنَّهُ يُجْزِئُهُ الْغُسْلُ عَنْهُمَا إذَا نَوَاهُمَا .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى: لَا يُجْزِئُهُ الْغُسْلُ عَنْ الْوُضُوءِ ، حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ قَبْلَ الْغُسْلِ أَوْ بَعْدَهُ .
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ ذَلِكَ ؛ وَلِأَنَّ الْجَنَابَةَ وَالْحَدَثَ وُجِدَا مِنْهُ ، فَوَجَبَتْ لَهُمَا الطَّهَارَتَانِ ، كَمَا لَوْ كَانَا مُفْرَدَيْنِ .
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: { لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا } .
جَعَلَ الْغُسْلَ غَايَةً لِلْمَنْعِ مِنْ الصَّلَاةِ ، فَإِذَا اغْتَسَلَ يَجِبُ أَنْ لَا يُمْنَعَ مِنْهَا ؛ وَلِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، فَتَدْخُلُ الصُّغْرَى فِي الْكُبْرَى ، كَالْعُمْرَةِ فِي الْحَجِّ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْمُغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ إذَا لَمْ يَتَوَضَّأْ وَعَمَّ جَمِيعَ جَسَدِهِ ، فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا افْتَرَضَ عَلَى الْجُنُبِ الْغُسْلَ مِنْ الْجَنَابَةِ ، دُونَ الْوُضُوءِ ، بِقَوْلِهِ {: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا } .
وَهُوَ إجْمَاعٌ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، إلَّا أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ ،