وَلِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ مَعْلُومُ الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ النَّقْصُ فِي الصِّفَةِ ، كَمَا لَا يَجُوزُ فِي الْقَدْرِ .
وَأَمَّا الرِّبَا فَلَا يَجْرِي هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ الْمُخْرَجَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَا رِبَا بَيْنَ الْعَبْدِ وَسَيِّدِهِ ، وَلِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ فِي الْمِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ إنَّمَا اُعْتُبِرَتْ فِي الْمُعَاوَضَاتِ ، وَالْقَصْدُ مِنْ الزَّكَاةِ الْمُوَاسَاةُ ، وَإِغْنَاءُ الْفَقِيرِ ، وَشُكْرُ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَلَا يَدْخُلُ الرِّبَا فِيهَا .
فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ أَخْرَجَ فِي الْمَاشِيَةِ رَدِيئَتَيْنِ عَنْ جَيِّدَةٍ ، أَوْ أَخْرَجَ قَفِيزَيْنِ رَدِيئَيْنِ عَنْ قَفِيزٍ جَيِّدٍ ، لَمْ يَجُزْ ، فَلِمَ أَجَزْتُمْ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ الصَّحِيحِ أَكْثَرَ مِنْهُ مُكَسَّرًا ؟ قُلْنَا: يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي إخْرَاجِهِ عَيْبٌ سِوَى نَقْصِ الْقِيمَةِ ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْأَثْمَانِ الْقِيمَةُ لَا غَيْرُ ، فَإِذَا تَسَاوَى الْوَاجِبُ وَالْمُخْرَجُ فِي الْقِيمَةِ وَالْقَدْرِ ، جَازَ ، وَسَائِرُ الْأَمْوَالِ يُقْصَدُ الِانْتِفَاعُ بِعَيْنِهَا ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ التَّسَاوِي فِي الْأَمْرَيْنِ الْإِجْزَاءُ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَفُوتَ بَعْضُ الْمَقْصُودِ .
نَصَّ عَلَيْهِمَا ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَجُوزُ .
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّ أَنْوَاعَ الْجِنْسِ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ إذَا كَانَ أَقَلَّ فِي الْمِقْدَارِ ، فَمَعَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ أَوْلَى .
وَالثَّانِيَةُ ، يَجُوزُ ، وَهُوَ أَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ أَحَدِهِمَا يَحْصُلُ بِإِخْرَاجِ الْآخَرِ ، فَيُجْزِئُ ، كَأَنْوَاعِ الْجِنْسِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُمَا جَمِيعًا الثَّمَنِيَّةُ وَالتَّوَسُّلُ بِهَا إلَى الْمَقَاصِدِ ، وَهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِيهِ عَلَى السَّوَاءِ ، فَأَشْبَهَ إخْرَاجَ الْمُكَسَّرَةِ عَنْ الصِّحَاحِ ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَجْنَاسِ وَالْأَنْوَاعِ ، مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ، فَإِنَّ لِكُلِّ جِنْسٍ مَقْصُودًا مُخْتَصًّا بِهِ ، لَا يَحْصُلُ مِنْ الْجِنْسِ الْآخَرِ ، وَكَذَلِكَ أَنْوَاعُهَا ، فَلَا