{: الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ ، وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ } وَلِأَنَّ الْجَالِبَ لَا يُضَيِّقُ عَلَى أَحَدٍ ، وَلَا يَضُرُّ بِهِ ، بَلْ يَنْفَعُ ، فَإِنَّ النَّاسَ إذَا عَلِمُوا عِنْدَهُ طَعَامًا مُعَدًّا لِلْبَيْعِ ، كَانَ ذَلِكَ أَطْيَبُ لَقُلُوبِهِمْ مِنْ عَدَمِهِ .
الثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرَى قُوتًا .
فَأَمَّا الْإِدَامُ ، وَالْحَلْوَاءُ ، وَالْعَسَلُ ، وَالزَّيْتُ ، وَأَعْلَافُ الْبَهَائِمِ ، فَلَيْسَ فِيهَا احْتِكَارٌ مُحَرَّمٌ .
قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ ، عَنْ أَيِّ شَيْءٍ الِاحْتِكَارُ ؟ قَالَ: إذَا كَانَ مِنْ قُوتِ النَّاسِ فَهُوَ الَّذِي يُكْرَهُ .
وَهَذَا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو .
وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَهُوَ رَاوِي حَدِيثِ الِاحْتِكَارِ - يَحْتَكِرُ الزَّيْتَ .
قَالَ أَبُو دَاوُد: كَانَ يَحْتَكِرُ النَّوَى ، وَالْخَيْطَ ، وَالْبِزْرَ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِمَّا لَا تَعُمُّ الْحَاجَةُ إلَيْهَا ، فَأَشْبَهَتْ الثِّيَابَ ، وَالْحَيَوَانَاتِ .
الثَّالِثُ ، أَنْ يُضَيِّقَ عَلَى النَّاسِ بِشِرَائِهِ .
وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِأَمْرَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا ، يَكُونُ فِي بَلَدٍ يُضَيِّقُ بِأَهْلِهِ الِاحْتِكَارُ ، كَالْحَرَمَيْنِ ، وَالثُّغُورِ .
قَالَ أَحْمَدُ: الِاحْتِكَارُ فِي مِثْلِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ، وَالثُّغُورِ .
فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْبِلَادَ الْوَاسِعَةَ الْكَثِيرَةَ الْمَرَافِقِ وَالْجَلَبِ كَبَغْدَادَ ، وَالْبَصْرَةِ وَمِصْرَ ، لَا يَحْرُمُ فِيهَا الِاحْتِكَارُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهَا غَالِبًا .
الثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ الضَّيِّقِ ، بِأَنْ يَدْخُلَ الْبَلَدَ قَافِلَةٌ فَيَتَبَادَرُ ذَوُو الْأَمْوَالِ فَيَشْتَرُونَهَا ، وَيُضَيِّقُونَ عَلَى النَّاسِ .
فَأَمَّا إنْ اشْتَرَاهُ فِي حَالِ الِاتِّسَاعِ وَالرُّخْصِ ، عَلَى وَجْهٍ لَا يُضَيِّقُ
عَلَى أَحَدٍ فَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ .
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ؛ أَنَّ بَيْعَ الْعَصِيرِ لِمَنْ يُعْتَقَدُ أَنَّهُ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا مُحَرَّمٌ .
وَكَرِهَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ أَنَّ الْبَائِعَ إذَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ يَعْصِرُهَا خَمْرًا ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ ، وَأَنَّمَا يُكْرَهُ إذَا شَكَّ فِيهِ .
وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرَ عَنْ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَالثَّوْرِيِّ أَنَّهُ