لِأَنَّ الْمُطْلَقَ فِي النَّذْرِ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْهُودِ شَرْعًا ، وَالْهَدْيُ الْوَاجِبُ فِي الشَّرْعِ إنَّمَا هُوَ مِنْ النَّعَمِ ، وَأَقَلُّهُ مَا ذَكَرْنَاهُ ، فَحُمِلَ عَلَيْهِ ، وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمُتْعَةِ: { فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ } .
حُمِلَ عَلَى مَا قُلْنَا .
فَإِنْ اخْتَارَ إخْرَاجَ بَدَنَةٍ كَامِلَةٍ ، فَهُوَ أَفْضَلُ ، وَهَلْ تَكُونُ كُلُّهَا وَاجِبَةً ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا تَكُونُ وَاجِبَةً .
اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ ؛ لِأَنَّهُ اخْتَارَ الْأَعْلَى لِأَدَاءِ فَرْضِهِ ، فَكَانَ كُلُّهُ وَاجِبًا ، كَمَا لَوْ اخْتَارَ الْأَعْلَى مِنْ خِصَالِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَوْ كَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ .
وَالثَّانِي ، يَكُونُ سُبْعُهَا وَاجِبًا ، وَالْبَاقِي تَطَوُّعًا ، لَهُ أَكْلُهُ وَهَدِيَّتُهُ ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى السُّبْعِ يَجُوزُ تَرْكُهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ وَلَا بَدَلٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ذَبَحَ شَاتَيْنِ .
فَإِنْ عَيَّنَ الْهَدْيَ بِشَيْءٍ ، لَزِمَهُ مَا عَيَّنَهُ ، وَأَجْزَأَهُ ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا ، وَسَوَاءٌ كَانَ حَيَوَانًا أَوْ غَيْرَهُ ، مِمَّا يُنْقَلُ أَوْ مِمَّا لَا يُنْقَلُ ؛ فَإِنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: { مَنْ رَاحَ يَعْنِي إلَى الْجُمُعَةِ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً } .
فَذَكَرَ الدَّجَاجَةَ وَالْبَيْضَةَ فِي الْهَدْيِ .
وَعَلَيْهِ إيصَالُهُ إلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ ؛ لِأَنَّهُ سَمَّاهُ هَدْيًا ، وَأَطْلَقَ ، فَيُحْمَلُ عَلَى مَحِلِّ الْهَدْيِ الْمَشْرُوعِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { ثُمَّ مَحِلُّهَا إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ } .
فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُنْقَلُ ، كَالْعَقَارِ ، بَاعَهُ ، وَبَعَثَ ثَمَنَهُ إلَى الْحَرَمِ ، فَيَتَصَدَّقُ بِهِ فِيهِ .
إيصَالُهُ إلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ .
وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ ذَبْحَهُ حَيْثُ شَاءَ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِشَاةٍ .
وَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى: { ثُمَّ مَحِلُّهَا إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ } .
وَلِأَنَّ النَّذْرَ يُحْمَلُ عَلَى