وَالْمُثَنَّى ، وَالثَّوْرِيُّ: لَا تُخْرَجُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَوْصَى بِهَا .
وَكَذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَجَعَلُوهَا إذَا أَوْصَى بِهَا وَصِيَّةً تُخْرَجُ مِنْ الثُّلُثِ ، وَيُزَاحَمُ بِهَا أَصْحَابُ الْوَصَايَا ، وَإِذَا لَمْ يُوصِ بِهَا سَقَطَتْ ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ ، فَسَقَطَتْ بِمَوْتِ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ ، كَالصَّوْمِ .
وَلَنَا ، أَنَّهَا حَقٌّ وَاجِبٌ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِالْمَوْتِ ، كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ ، وَلِأَنَّهَا حَقٌّ مَالِيٌّ وَاجِبٌ فَلَمْ يَسْقُطْ بِمَوْتِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ ، كَالدَّيْنِ ، وَيُفَارِقُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ ، فَإِنَّهُمَا عِبَادَتَانِ بَدَنِيَّتَانِ لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِمَا ، وَلَا النِّيَابَةُ فِيهِمَا .
ا هـ .
فَصْلٌ: وَتَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى الْفَوْرِ ، فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ إخْرَاجِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ، وَالتَّمَكُّنِ مِنْهُ ، إذَا لَمْ يَخْشَ ضَرَرًا .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَهُ التَّأْخِيرُ مَا لَمْ يُطَالَبْ ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِأَدَائِهَا مُطْلَقٌ ، فَلَا يَتَعَيَّنْ الزَّمَنُ الْأَوَّلُ لِأَدَائِهَا دُونَ غَيْرِهِ ، كَمَا لَا يَتَعَيَّنُ لِذَلِكَ مَكَانٌ دُونَ مَكَان .
وَلَنَا ، أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي الْفَوْرَ ، عَلَى مَا يُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ ، وَلِذَلِكَ يَسْتَحِقُّ الْمُؤَخِّرُ لِلِامْتِثَالِ الْعِقَابَ ، وَلِذَلِكَ أَخْرَجَ اللَّهُ تَعَالَى إبْلِيسَ ، وَسَخِطَ عَلَيْهِ وَوَبَّخَهُ ، بِامْتِنَاعِهِ عَنْ السُّجُودِ ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَمَرَ عَبْدَهُ أَنْ يَسْقِيَهُ ، فَأَخَّرَ ذَلِكَ ، اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ ، وَلِأَنَّ جَوَازَ التَّأْخِيرِ يُنَافِي الْوُجُوبَ ، لِكَوْنِ الْوَاجِبِ مَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ ، وَلَوْ جَازَ التَّأْخِيرُ ، لَجَازَ إلَى غَيْرِ غَايَةٍ ، فَتَنْبَغِي الْعُقُوبَةُ بِالتَّرْكِ ، وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ لَا يَقْتَضِي الْفَوْرَ ، لَاقْتَضَاهُ فِي مَسْأَلَتِنَا ، إذْ لَوْ جَازَ التَّأْخِيرُ هَاهُنَا