فَصْلٌ: وَإِذَا قَبَضَ الْوَكِيلُ ثَمَنَ الْمَبِيعِ ، فَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ ، لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ قَبْلَ طَلَبِهِ وَلَا يَضْمَنُهُ بِتَأْخِيرِهِ ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِكَوْنِهِ فِي يَدِهِ ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَنْ ذَلِكَ .
فَإِنْ طَلَبَهُ فَأَخَّرَ رَدَّهُ مَعَ إمْكَانِهِ ، فَتَلِفَ ، ضَمِنَهُ .
وَإِنْ وَعَدَهُ بِرَدِّهِ ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّنِي كُنْت رَدَدْته قَبْلَ طَلَبِهِ ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ تَلِفَ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِنَفْسِهِ بِوَعْدِهِ بِرَدِّهِ .
فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُوَكِّلُ ، بَرِئَ ، وَإِنْ كَذَّبَهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ .
فَإِنْ أَقَامَ الْوَكِيلُ بَيِّنَةً بِذَلِكَ ، فَهَلْ يُقْبَلُ ، عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَدَّقَهُ الْمُوَكِّلُ بَرِئَ ، فَكَذَلِكَ إذَا قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ إحْدَى الْحُجَّتَيْنِ ، فَبَرِئَ بِهَا كَالْإِقْرَارِ .
وَالثَّانِي: لَا يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ كَذَّبَهُ بِوَعْدِهِ بِالدَّفْعِ .
أَمَّا إذَا صَدَّقَهُ ، فَقَدْ أَقَرَّ بِبَرَاءَتِهِ ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ مُنَازِعٌ .
وَإِنْ لَمْ يَعِدْهُ بِرَدِّهِ ، لَكِنْ مَنَعَهُ أَوْ مَطَلَهُ بِرَدِّهِ مَعَ إمْكَانِهِ ، ثُمَّ ادَّعَى التَّلَفَ أَوْ الرَّدَّ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ ضَامِنٌ بِالْمَنْعِ ، خَارِجٌ عَنْ حَالِ الْأَمَانَةِ .
وَإِنْ أَقَامَ بِمَا ادَّعَاهُ مِنْ الرَّدِّ أَوْ التَّلَفِ بَيِّنَةً ، سُمِعَتْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكَذِّبْهَا .
فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ ، فِي رَجُلٍ لَهُ عَلَى آخَرَ دَرَاهِمُ ، فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولًا يَقْبِضُهَا ، فَبَعَثَ إلَيْهِ مَعَ الرَّسُولِ دِينَارًا ، فَضَاعَ مَعَ الرَّسُولِ ، فَهُوَ مِنْ مَالِ الْبَاعِثِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِمُصَارَفَتِهِ ، إنَّمَا كَانَ مِنْ ضَمَانِ الْبَاعِثِ ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ إلَى الرَّسُولِ غَيْرَ مَا أَمَرَهُ بِهِ الْمُرْسِلُ ، فَإِنَّ الْمُرْسِلَ إنَّمَا أَمَرَهُ بِقَبْضِ مَا لَهُ فِي ذِمَّتِهِ ، وَهِيَ الدَّرَاهِمُ ، وَلَمْ يَدْفَعْهَا ، وَإِنَّمَا دَفَعَ دِينَارًا عِوَضًا عَنْ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ ، وَهَذَا صَرْفٌ يَفْتَقِرُ إلَى رِضَى صَاحِبِ الدَّيْنِ وَإِذْنِهِ ، وَلَمْ يَأْذَنْ ، فَصَارَ الرَّسُولُ وَكِيلًا لِلْبَاعِثِ فِي تَأْدِيَتِهِ إلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ وَمُصَارَفَتِهِ بِهِ ، فَإِذَا تَلِفَ فِي يَدِ وَكِيلِهِ .
كَانَ مِنْ ضَمَانِهِ ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُخْبِرَ الرَّسُولُ الْغَرِيمَ أَنَّ رَبَّ الدَّيْنِ أَذِنَ لَهُ فِي قَبْضِ الدِّينَارِ عَنْ الدَّرَاهِمِ .
فَيَكُونُ حِينَئِذٍ مِنْ