فَصْلٌ: وَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ بَعْدَ الدَّبْغِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ: أَنَّهُ يَحِلُّ .
وَهُوَ وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِقَوْلِهِ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { دِبَاغُ الْأَدِيمِ ذَكَاتُهُ } وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يُفِيدُ الطَّهَارَةَ فِي الْجِلْدِ ، فَأَبَاحَ الْأَكْلَ كَالذَّبْحِ ، وَلَنَا قَوْله تَعَالَى: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ } ، وَالْجِلْدُ مِنْهَا ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا حُرِّمَ مِنْ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا .
فَصْلٌ: وَيَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَإِجَارَتُهُ ، وَالِانْتِفَاعُ بِهِ فِي كُلِّ مَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِيهِ ، سِوَى الْأَكْلِ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمُذَكَّى فِي غَيْرِ الْأَكْلِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ دَبْغِهِ ؛ لِأَنَّهُ نَجِسٌ ، مُتَّفَقٌ عَلَى نَجَاسَةِ عَيْنِهِ ، فَأَشْبَهَ الْخِنْزِيرَ .
فَصْلٌ: وَيَفْتَقِرُ مَا يُدْبَغُ بِهِ إلَى أَنْ يَكُونَ مُنَشِّفًا لِلرُّطُوبَةِ ، مُنَقِّيًا لِلْخُبْثِ ، كَالشَّبِّ وَالْقَرَظِ ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ طَاهِرًا ، فَإِنْ كَانَ نَجِسًا لَمْ يُطَهِّرْ الْجِلْدَ ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مِنْ نَجَاسَةٍ ، فَلَمْ تَحْصُلْ بِنَجِسٍ ، كَالِاسْتِجْمَارِ وَالْغُسْلِ ، وَهَلْ يَطْهُرُ الْجِلْدُ بِمُجَرَّدِ الدَّبْغِ قَبْلَ غَسْلِهِ بِالْمَاءِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا ، لَا تَحْصُلُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جِلْدِ الشَّاةِ الْمَيْتَةِ: { يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ } .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ؛ وَلِأَنَّ مَا يُدْبَغُ بِهِ نَجِسَ بِمُلَاقَاةِ الْجِلْدِ ، فَإِذَا انْدَبَغَ الْجِلْدُ بَقِيَتْ الْآلَةُ نَجِسَةً فَتَبْقَى نَجَاسَةُ الْجِلْدِ لِمُلَاقَاتِهَا لَهُ ، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِالْغَسْلِ .