فَإِنَّهُمَا إنْ هَلَكَتْ مَاشِيَتُهُمَا رَجَعَا إلَى نَخْلٍ وَزَرْعٍ ، وَإِنَّ هَذَا الْمِسْكِينَ إنْ هَلَكَتْ مَاشِيَتُهُ ، جَاءَ يَصْرُخُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ .
فَالْكَلَأُ أَهْوَنُ عَلَيَّ أَمْ غُرْمُ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، إنَّهَا أَرْضُهُمْ قَاتَلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَأَسْلَمُوا عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَامِ ، وَإِنَّهُمْ لَيَرَوْنَ أَنَّا نَظْلِمُهُمْ ، وَلَوْلَا النَّعَمُ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، مَا حَمَيْت عَلَى النَّاسِ مِنْ بِلَادِهِمْ
شَيْئًا أَبَدًا .
وَهَذَا إجْمَاعٌ مِنْهُمْ .
وَلِأَنَّ مَا كَانَ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ، قَامَتْ الْأَئِمَّةُ فِيهِ مَقَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: { مَا أَطْعَمَ اللَّهُ لِنَبِيٍّ طُعْمَةً إلَّا جَعَلَهَا طُعْمَةً لِمَنْ بَعْدَهُ } وَأَمَّا الْخَبَرُ فَمَخْصُوصٌ ، وَأَمَّا حِمَاهُ لِنَفْسِهِ ، فَيُفَارِقُ حِمَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ ، لِأَنَّ صَلَاحَهُ يَعُودُ إلَى صَلَاحِ الْمُسْلِمِينَ ، وَمَا لَهُ كَانَ يَرُدُّهُ فِي الْمُسْلِمِينَ ، فَفَارَقَ الْأَئِمَّةَ فِي ذَلِكَ ، وَسَاوَوْهُ فِيمَا كَانَ صَلَاحًا لِلْمُسْلِمِينَ ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَحْمُوا إلَّا قَدْرًا لَا يُضَيَّقُ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَيَضُرُّ بِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَازَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ لِمَا يَحْمَى ، وَلَيْسَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ إدْخَالُ الضَّرَرِ عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ .
فَصْلٌ: وَمَا حَمَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ نَقْضُهُ ، وَلَا تَغْيِيرُهُ ، مَعَ بَقَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ .
وَمَنْ أَحْيَا مِنْهُ شَيْئًا لَمْ يَمْلِكْهُ .
وَإِنْ زَالَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ .
وَمَا حَمَاهُ غَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ ، فَغَيَّرَهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ ، جَازَ .
وَإِنْ أَحْيَاهُ إنْسَانٌ ، مَلَكَهُ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّ حِمَى الْأَئِمَّةِ اجْتِهَادٌ ، وَمِلْكُ الْأَرْضِ بِالْإِحْيَاءِ نَصٌّ ، وَالنَّصُّ يُقَدَّمُ عَلَى الِاجْتِهَادِ .
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ لَا يَمْلِكُهُ ؛ لِأَنَّ اجْتِهَادَ الْإِمَامِ لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ ، كَمَا لَا يَجُوزُ نَقْضُ حُكْمِهِ .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا عَلَى نَحْوِ مَا قُلْنَا .
فَصْلٌ: فِي أَحْكَامِ الْمِيَاهِ ، قَدْ ذَكَرْنَا فِي الْبَيْعِ حُكْمَ مِلْكِهَا وَبَيْعِهَا ، وَنَذْكُرُ هَاهُنَا حُكْمَ السَّقْيِ بِهَا .
فَنَقُولُ: لَا يَخْلُو الْمَاءُ مِنْ حَالَيْنِ ؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ جَارِيًا ، أَوْ وَاقِفًا ، فَإِنْ كَانَ جَارِيًا فَهُوَ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ فِي نَهْرٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ ، وَهُوَ قِسْمَانِ