الْمَالِكَ قَبُولُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا ، كَالْبَيْعِ .
وَإِنْ قَالَ الْمَالِكُ: دَعْهُ لِي فِي مَكَانِهِ الَّذِي نَقَلْتَهُ إلَيْهِ .
لَمْ يَمْلِكْ الْغَاصِبُ رَدَّهُ ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ عَنْهُ حَقًّا فَسَقَطَ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهُ ، كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ دَيْنِهِ .
وَإِنْ قَالَ: رُدَّهُ لِي إلَى بَعْضِ الطَّرِيقِ .
لَزِمَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الْمَسَافَةِ ، فَلَزِمَهُ بَعْضُهَا الْمَطْلُوبُ ، وَسَقَطَ
عَنْهُ مَا أَسْقَطَهُ .
وَإِنْ طَلَبَ مِنْهُ حَمْلَهُ إلَى مَكَان آخَرَ فِي غَيْرِ طَرِيقِ الرَّدِّ ، لَمْ يَلْزَمْ الْغَاصِبَ ذَلِكَ ، سَوَاءٌ كَانَ أَقْرَبَ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي يَلْزَمُهُ رَدُّهُ إلَيْهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ .
وَإِنْ قَالَ: دَعْهُ فِي مَكَانِهِ ، وَأَعْطِنِي أَجْرَ رَدِّهِ .
لَمْ يُجْبَرْ عَلَى إجَابَتِهِ ؛ لِذَلِكَ .
وَمَهْمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ جَازَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا ، لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا .
فَصْلٌ: وَإِنْ غَصَبَ شَيْئًا ، فَشَغَلَهُ بِمِلْكِهِ ، كَخَيْطٍ خَاطَ بِهِ ثَوْبًا ، أَوْ نَحْوَهُ ، أَوْ حَجَرًا بَنَى عَلَيْهِ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ بَلِيَ الْخَيْطُ ، أَوْ انْكَسَرَ الْحَجَرُ ، أَوْ كَانَ مَكَانَهُ خَشَبَةٌ فَتَلِفَتْ ، لَمْ يَأْخُذْ بِرَدِّهِ ، وَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ هَالِكًا ، فَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ .
وَإِنْ كَانَ بَاقِيًا بِحَالِهِ ، لَزِمَهُ رَدُّهُ ، وَإِنْ انْتَقَضَ الْبِنَاءُ ، وَتَفَصَّلَ الثَّوْبُ .
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجِبُ رَدُّ الْخَشَبَةِ وَالْحَجَرِ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ تَابِعًا لِمِلْكِهِ يَسْتَضِرُّ بِقَلْعِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْ رَدُّهُ ، كَمَا لَوْ غَصَبَ خَيْطًا فَخَاطَ بِهِ جُرْحَ عَبْدِهِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ مَغْصُوبٌ أَمْكَنَ رَدُّهُ ، وَيَحُوزُ لَهُ فَوَجَبَ ، كَمَا لَوْ بَعَّدَ الْعَيْنَ ، وَلَا يُشْبِهُ الْخَيْطَ الَّذِي يُخَافُ عَلَى الْعَبْدِ مِنْ قَلْعِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ رَدُّهُ ، لِمَا فِي ضِمْنِهِ مِنْ تَلَفِ الْآدَمِيِّ .
وَلِأَنَّ حَاجَتَهُ إلَى ذَلِكَ تُبِيحُ أَخْذَهُ ابْتِدَاءً ، بِخِلَافِ الْبِنَاءِ ، وَإِنْ خَاطَ بِالْخَيْطِ جُرْحَ حَيَوَانٍ ، فَذَلِكَ عَلَى أَقْسَامٍ ثَلَاثَةٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَخِيطَ بِهِ جُرْحَ حَيَوَانٍ لَا حُرْمَةَ لَهُ ، كَالْمُرْتَدِّ وَالْخِنْزِيرِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ ، فَيَجِبُ نَزْعُهُ وَرَدُّهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَضَمَّنُ تَفْوِيتَ ذِي حُرْمَةٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَاطَ بِهِ ثَوْبًا .
وَالثَّانِي ، أَنْ يَخِيطَ بِهِ جُرْحَ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ ، لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ ،