فَصْلٌ: وَيَجُوزُ كِرَاءُ الدَّابَّةِ لِلْعَمَلِ ؛ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ ، خُلِقَتْ الدَّابَّةُ لَهَا ، فَجَازَ الْكِرَاءُ لَهَا ، كَالرُّكُوبِ .
وَإِنْ اكْتَرَى بَقَرًا لِلْحَرْثِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْبَقَرَ خُلِقَتْ لِلْحَرْثِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً ، أَرَادَ أَنْ يَرْكَبَهَا ، فَقَالَتْ: إنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا ، إنَّمَا خُلِقْت لِلْحَرْثِ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَيَحْتَاجُ إلَى شَرْطَيْنِ: مَعْرِفَةِ الْأَرْضِ ، وَتَقْدِيرِ الْعَمَلِ ، فَأَمَّا الْأَرْضُ فَلَا تُعْرَفُ إلَّا بِالْمُشَاهَدَةِ ؛ لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ ، فَتَكُونُ صُلْبَةً تُتْعِبُ الْبَقَرَ وَالْحَرَّاثَ ، وَقَدْ يَكُونُ فِيهَا حِجَارَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالسِّكَّةِ ، وَتَكُونُ رَخْوَةً سَهْلَةً يَسْهُلُ حَرْثُهَا ، وَلَا تَأْتِي الصِّفَةُ عَلَيْهَا ، فَيُحْتَاجُ إلَى رُؤْيَتِهَا .
وَأَمَّا تَقْدِيرُ الْعَمَلِ ، فَيَجُوزُ بِأَحَدِ شَيْئَيْنِ ؛ إمَّا بِالْمُدَّةِ ، كَيَوْمٍ وَيَوْمَيْنِ ، وَإِمَّا الْأَرْضِ ، كَهَذِهِ الْقِطْعَةِ ، أَوْ مِنْ هَذَا الْمَكَانِ إلَى هَذَا الْمَكَانِ ، أَوْ بِالْمِسَاحَةِ ، كَمَدًى أَوْ مَدَيَيْنِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ يَحْصُلُ بِهِ .
فَإِنْ قَدَّرَهُ بِالْمُدَّةِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْبَقَرِ الَّتِي يَعْمَلُ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ .
وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْبَقَرَ مُفْرَدَةً لِيَتَوَلَّى رَبُّ الْأَرْضِ الْحَرْثَ بِهَا .
وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهَا مَعَ صَاحِبِهَا لِيَتَوَلَّى الْحَرْثَ بِهَا .
وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُهَا بِآلَتِهَا مِنْ الْفَدَّانِ وَالنَّيِّرِ ، وَاسْتِئْجَارُهَا بِدُونِ آلَتِهَا ، وَتَكُونُ الْآلَةُ مِنْ عِنْدِ صَاحِبِ الْأَرْضِ .
وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْبَقَرِ وَغَيْرِهَا لِدِرَاسِ الزَّرْعِ ؛ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ مَقْصُودَةٌ ، فَأَشْبَهَتْ الْحَرْثَ .