لَمْ يَكُنْ لَهُ الْفَسْخُ ؛ لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ ، سَوَاءٌ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ .
وَلِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ بِثَمَنِهَا ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْفَسْخَ لِتَعَذُّرِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ ثَمَنُهَا مُؤَجَّلًا .
وَلِأَنَّ الْعَالِمَ بِالْعَيْبِ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ بِخَرَابِ الذِّمَّةِ ، فَأَشْبَهَ مَنْ اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَهُ .
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ ، وَلِأَنَّهُ عَقَدَ عَلَيْهِ وَقْتَ الْفَسْخِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ مِنْ الْفَسْخِ ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ امْرَأَةٌ فَقِيرًا مُعْسِرًا بِنَفَقَتِهَا وَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ ، إنْ بَاعَهُ عَالِمًا بِفَلَسِهِ فَلَا فَسْخَ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلَهُ الْفَسْخُ ، كَمُشْتَرِي الْمَعِيبِ .
وَيُفَارَقُ الْمُعْسِرُ بِالنَّفَقَةِ ؛ لِكَوْنِ النَّفَقَةِ يَتَجَدَّدُ وُجُوبُهَا كُلَّ يَوْمٍ ، فَالرِّضَى بِالْمُعْسِرِ بِهَا رِضَى بِعَيْبِ مَا لَمْ يَجِبْ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، وَإِنَّمَا يُشْبِهُ هَذَا إذَا تَزَوَّجَتْهُ مُعْسِرًا بِالصَّدَاقِ وَسَلَّمَتْ نَفْسَهَا إلَيْهِ ، ثُمَّ أَرَادَتْ الْفَسْخَ .
فَصْلٌ: وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا ، فَأَفْلَسَ قَبْلَ مُضِيِّ شَيْءٍ مِنْ الْمُدَّةِ فَلِلْمُؤَجَّرِ فَسْخُ الْإِجَارَةِ ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ ، فَهُوَ غَرِيمٌ بِالْأُجْرَةِ .
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُضِيِّ بَعْضِهَا ، لَمْ يَمْلِكْ الْفَسْخَ فِي قِيَاسِ قَوْلِنَا فِي الْمَبِيعِ إذَا تَلِفَ بَعْضُهُ ، فَإِنَّ الْمُدَّةَ هَاهُنَا كَالْمَبِيعِ ، وَمُضِيُّ بَعْضِهَا كَتَلَفِ بَعْضِهِ ، لَكِنْ يُعْتَبَرُ مُضِيُّ مُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْ مُضِيِّ جُزْءٍ مِنْهَا بِحَالِ وَقَالَ الْقَاضِي ، فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: مَنْ اكْتَرَى أَرْضًا فَزَرَعَهَا ، ثُمَّ أَفْلَسَ ، فَفَسَخَ صَاحِبُ الْأَرْضِ ، فَعَلَيْهِ تَبْقِيَةُ زَرْعِ الْمُفْلِسِ إلَى حِينِ الْحَصَادِ بِأَجْرِ مِثْله ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْمَنْفَعَةُ ، فَإِذَا فَسَخَ الْعَقْدَ ، فَسَخَهُ فِيمَا مَلَكَ عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ ، وَقَدْ تَعَذَّرَ رَدُّهَا عَلَيْهِ ، فَكَانَ عَلَيْهِ عِوَضُهَا ، كَمَا لَوْ فَسَخَ الْبَيْعَ بَعْدَ أَنْ أَتْلَفَ الْمَبِيعَ ، فَلَهُ قِيمَتُهُ ، وَيَضْرِبُ بِذَلِكَ مَعَ الْغُرَمَاءِ ، كَذَا هَاهُنَا ، وَيَضْرِبُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِأَجْرِ الْمِثْلِ دُونَ الْمُسَمَّى وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَهَذَا لَا يَقْتَضِيه مَذْهَبُنَا ، وَلَا يَشْهَدُ لِصِحَّتِهِ الْخَبَرُ ، وَلَا يَصِحُّ فِي النَّظَرِ ؛ أَمَّا الْخَبَرُ ، فَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا قَالَ: مَنْ أَدْرَكَ