سَفَرُهُ مُبَاحًا ، فَنَوَى الْمَعْصِيَةَ بِسَفَرِهِ ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى نِيَّةِ الْمُبَاحِ ، اُعْتُبِرَتْ مَسَافَةُ الْقَصْرِ مِنْ حِينَ رُجُوعِهِ إلَى نِيَّةِ الْمُبَاحِ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ سَفَرِهِ انْقَطَعَ بِنِيَّةِ الْمَعْصِيَةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ ، ثُمَّ عَادَ فَنَوَى السَّفَرَ .
فَأَمَّا إنْ كَانَ السَّفَرُ مُبَاحًا ، لَكِنَّهُ يَعْصِي فِيهِ ، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ التَّرَخُّصَ ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ السَّفَرُ الْمُبَاحُ ، وَقَدْ وُجِدَ ، فَثَبَتَ حُكْمُهُ ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ وُجُودُ مَعْصِيَةٍ ، كَمَا أَنَّ مَعْصِيَتَهُ فِي الْحَضَرِ لَا تَمْنَعُ التَّرَخُّصَ فِيهِ .
وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ لِأَنَّهُ سَفَرٌ مُبَاحٌ ، فَدَخَلَ فِي عُمُومِ النُّصُوصِ الْمَذْكُورَةِ ، وَقِيَاسًا عَلَى سَفَرِ التِّجَارَةِ .
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَتَرَخَّصُ فِيهِ .
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا خَرَجَ الرَّجُلُ إلَى بَعْضِ الْبُلْدَانِ تَنَزُّهًا وَتَلَذُّذًا ، وَلَيْسَ فِي طَلَبِ حَدِيثٍ وَلَا حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ وَلَا تِجَارَةٍ ، فَإِنَّهُ لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا شُرِعَ إعَانَةً عَلَى تَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ ، وَلَا مَصْلَحَةَ فِي هَذَا .
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى .
فَصْلٌ: فَإِنْ سَافَرَ لِزِيَارَةِ الْقُبُورِ وَالْمَشَاهِدِ .
فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يُبَاحُ لَهُ التَّرَخُّصُ ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ السَّفَرِ إلَيْهَا ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ } .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَالصَّحِيحُ إبَاحَتُهُ ، وَجَوَازُ الْقَصْرِ فِيهِ ؛