عَنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ الرَّهْنِ وَذِمَّةِ الرَّاهِنِ مَعًا ، وَسَائِرُهُمْ يَتَعَلَّقُ حَقُّهُ بِالذِّمَّةِ دُونَ الْعَيْنِ ، فَكَانَ حَقُّهُ أَقْوَى ، وَهَذَا مِنْ أَكْثَرِ فَوَائِدِ الرَّهْنِ ، وَهُوَ تَقْدِيمُهُ بِحَقِّهِ عِنْدَ فَرْضِ مُزَاحَمَةِ الْغُرَمَاءِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَغَيْرِهِمْ ، فَيُبَاعُ الرَّهْنُ ، فَإِنْ كَانَ ثَمَنُهُ وَفْقَ حَقِّهِ أَخَذَهُ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ عَنْ دَيْنِهِ رُدَّ الْبَاقِي عَلَى الْغُرَمَاءِ ، وَإِنْ فَضَلَ مِنْ دَيْنِهِ شَيْءٌ أَخَذَ ثَمَنَهُ ، وَضَرَبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِبَقِيَّةِ دَيْنِهِ ، ثُمَّ مَنْ بَعْدِ ذَلِكَ مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا ، ثُمَّ يُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَ الْغُرَمَاءِ ، عَلَى قَدْرِ دُيُونِهِمْ ، وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ دَيْنُهُ ثَابِتٌ بِجِنَايَةِ الْمُفْلِسِ ، لَمْ يُقَدَّمْ ، وَكَانَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ ؛ لِأَنَّ أَرْشَ جِنَايَتِهِ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ دُونَ مَالِهِ ، فَهُوَ كَبَقِيَّةِ الدُّيُونِ ، بِخِلَافِ أَرْشِ جِنَايَةِ الْعَبْدِ ، فَإِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ ، فَلِذَلِكَ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِمَّنْ تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِمُجَرَّدِ الذِّمَّةِ ، وَلَا فَرْقَ فِي اسْتِحْقَاقِ ثَمَنِ الرَّهْنِ وَالِاخْتِصَاصِ بِهِ بَيْنَ كَوْنِ الرَّهْنِ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ حَقِّهِ مِنْ حَيْثُ كَانَ حَقُّهُ مُتَعَلِّقًا بِعَيْنِ الْمَالِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ بِالْحَيَاةِ
وَالْمَوْتِ ، فَكَذَلِكَ مَا ثَبَتَ بِهِ ، كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ .
فَصْلٌ: وَلَوْ بَاعَ شَيْئًا أَوْ بَاعَهُ وَكِيلُهُ وَقَبَضَ الثَّمَنَ ، أَوْ بَاعَ الْعَدْلُ الرَّهْنَ وَقَبَضَ الثَّمَنَ فَتُلْفِ ، وَتَعَذَّرَ رَدُّهُ ، وَخَرَجَتْ السِّلْعَةُ مُسْتَحَقَّةً ، سَاوَى الْمُشْتَرِي الْغُرَمَاءَ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِعَيْنِ الْمَالِ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَرْشِ جِنَايَةِ الْمُفْلِسِ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي احْتِمَالًا آخَرَ ، أَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْغُرَمَاءِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِمُجَرَّدِ الذِّمَّةِ ، فَكَانَ أَوْلَى كَالْمُرْتَهِنِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَدَّمْ عَلَى الْغُرَمَاءِ ، لَامْتَنَعَ النَّاسُ عَنْ شِرَاءِ مَالِ الْمُفْلِسِ ، خَوْفًا مِنْ ضَيَاعِ أَمْوَالِهِمْ ، فَتَقِلُّ الرَّغَبَاتُ فِيهِ ، وَيَقِلُّ ثَمَنُهُ ، فَكَانَ تَقْدِيمُ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ عَلَى الْغُرَمَاءِ أَنْفَعَ لَهُمْ .
وَهَذَا وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَلَنَا ، أَنَّ هَذَا حَقٌّ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِعَيْنِ الْمَالِ ، فَلَمْ يُقَدَّمْ ، كَاَلَّذِي جَنَى عَلَيْهِ الْمُفْلِسُ ، وَفَارَقَ