الشُّفْعَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ دَفْعًا لِضَرَرِ الشَّرِيكِ الدَّاخِلِ ، خَوْفًا مِنْ سُوءِ الْمُشَارَكَةِ وَمُؤْنَةِ الْقِسْمَةِ ، فَإِذَا أَخَذَ بَعْضَ الشِّقْصِ ، لَمْ يَنْدَفِعْ عَنْهُ الضَّرَرُ ، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْمَعْنَى الْمُجَوِّزُ لِمُخَالَفَةِ الْأَصْلِ ، فَلَا تَثْبُتُ .
وَلَوْ كَانَ الشَّفِيعُ وَاحِدًا ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُ بَعْضِ الْمَبِيعِ ؛ لِذَلِكَ ، فَإِنْ فَعَلَ ، سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَبَعَّضُ ، فَإِذَا سَقَطَ بَعْضُهَا ، سَقَطَ جَمِيعُهَا ، كَالْقِصَاصِ .
وَإِنْ وَهَبَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ نَصِيبَهُ مِنْ الشُّفْعَةِ بَعْضَ شُرَكَائِهِ أَوْ غَيْرَهُ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَفْوٌ ، وَلَيْسَ بِهِبَةٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ ، كَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ .
فَإِذَا قَدِمَ أَحَدُهُمْ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ إلَّا الْكُلَّ ، أَوْ يَتْرُكَ ؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ الْيَوْمَ مُطَالِبًا سِوَاهُ ، وَلِأَنَّ فِي أَخْذِهِ الْبَعْضَ تَبْعِيضًا لِصَفْقَةِ الْمُشْتَرِي ، فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُهُ ، وَلَا يُمْكِنُ تَأْخِيرُ حَقِّهِ إلَى أَنْ يَقْدَمَ شُرَكَاؤُهُ ؛ لِأَنَّ فِي التَّأْخِيرِ إضْرَارًا بِالْمُشْتَرِي .
فَإِذَا أَخَذَ الْجَمِيعَ ، ثُمَّ حَضَرَ آخَرُ ، قَاسَمَهُ ، إنْ شَاءَ أَوْ عَفَا فَيَبْقَى لِلْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ إنَّمَا وُجِدَتْ مِنْهُمَا .
فَإِنْ قَاسَمَهُ ، ثُمَّ حَضَرَ الثَّالِثُ ، قَاسَمَهُمَا إنْ أَحَبَّ أَوْ عَفَا فَيَبْقَى لِلْأَوَّلَيْنِ ، فَإِنْ نَمَا الشِّقْصُ فِي يَدِ الْأَوَّلِ نَمَاءً مُنْفَصِلًا ، لَمْ يُشَارِكْهُ فِيهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ انْفَصَلَ فِي مِلْكِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ انْفَصَلَ فِي يَدَ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ .
وَكَذَلِكَ إذَا أَخَذَ الثَّانِي ، فَنَمَا فِي يَدِهِ نَمَاءً مُنْفَصِلًا ، لَمْ يُشَارِكْهُ الثَّالِثُ فِيهِ .
وَإِنْ خَرَجَ الشِّقْصُ مُسْتَحَقًّا ، فَالْعُهْدَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي ، يَرْجِعُ الثَّلَاثَةُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَرْجِعُ أَحَدُهُمْ عَلَى الْآخَرِ ؛ فَإِنَّ الْأَخْذَ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَوَّلِ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النَّائِبِ عَنْ الْمُشْتَرِي فِي الدَّفْعِ إلَيْهِمَا وَالنَّائِبِ عَنْهُمَا فِي دَفْعِ الثَّمَنِ إلَيْهِ ، لِأَنَّ الشُّفْعَةَ مُسْتَحَقَّةٌ عَلَيْهِ لَهُمْ .
وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ