وَقِيَاسُهُمْ يَنْقَلِبُ عَلَيْهِمْ ، فَإِنَّنَا نَقُولُ: هَذِهِ عِبَادَةٌ ، فَلَا يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِهَا إمْكَانُ أَدَائِهَا ، كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ ، فَإِنَّ الصَّوْمَ يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ وَالْمَرِيضِ الْعَاجِزِ عَنْ أَدَائِهِ ، وَالصَّلَاةُ تَجِبُ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالنَّائِمِ ، وَمَنْ أَدْرَكَ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ جُزْءًا ثُمَّ جُنَّ أَوْ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ ، وَالْحَجُّ يَجِبُ عَلَى مِنْ أَيْسَرَ فِي وَقْتٍ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْحَجِّ فِيهِ ، أَوْ مَنَعَهُ مِنْ الْمُضِيِّ مَانِعٌ .
ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ، أَنَّ تِلْكَ عِبَادَاتٌ بَدَنِيَّةٌ ، يُكَلَّفُ فِعْلَهَا بِبَدَنِهِ ، فَأَسْقَطَهَا تَعَذُّرُ فِعْلِهَا ، وَهَذِهِ عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ ، يُمْكِنُ ثُبُوتُ الشَّرِكَةِ لِلْمَسَاكِينِ فِي مَالِهِ وَالْوُجُوبُ فِي ذِمَّتِهِ مَعَ عَجْزِهِ عَنْ الْأَدَاءِ ، كَثُبُوتِ الدُّيُونِ فِي ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ وَتَعَلُّقِهَا بِمَالِهِ بِجِنَايَتِهِ .
هَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ ، وَحَكَى عَنْهُ الْمَيْمُونِيُّ أَنَّهُ إذَا تَلِفَ النِّصَابُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْأَدَاءِ ، سَقَطَتْ الزَّكَاةُ عَنْهُ ، وَإِنْ تَلِفَ بَعْدَهُ ، لَمْ تَسْقُطْ .
وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مَذْهَبًا لِأَحْمَدَ .
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ ، وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ .
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، إلَّا فِي الْمَاشِيَةِ ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا شَيْءَ فِيهَا حَتَّى يَجِيءَ الْمُصَدِّقُ ، فَإِنْ هَلَكَتْ قَبْلَ مَجِيئُهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَسْقُطُ الزَّكَاةُ بِتَلَفِ النِّصَابِ عَلَى كُلِّ حَالٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ قَدْ طَالَبَهُ بِهَا فَمَنَعَهَا ؛ لِأَنَّهُ تَلَفٌ قَبْلَ مَحَلِّ الِاسْتِحْقَاقِ ، فَسَقَطَتْ الزَّكَاةُ ، كَمَا لَوْ تَلْفِت الثَّمَرَةُ قَبْلَ الْجِذَاذِ ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ ، فَسَقَطَ بِتَلَفِهَا ، كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي .
وَمَنْ اشْتَرَطَ التَّمَكُّنَ قَالَ: هَذِهِ عِبَادَةٌ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُهَا بِالْمَالِ ، فَيَسْقُطُ فَرْضُهَا بِتَلَفِهِ قَبْلَ إمْكَانِ أَدَائِهَا ، كَالْحَجِّ .
وَمَنْ نَصَرَ الْأَوَّلَ قَالَ: مَالٌ وَجَبَ فِي الذِّمَّةِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِتَلَفِ النِّصَابِ ، كَالدَّيْنِ ، أَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ فِي ضَمَانِهِ إمْكَانُ الْأَدَاءِ ، كَثَمَنِ