إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ لَا بِذِمَّتِهِ ، وَلَكِنْ لَا يُشَارِكُ أَصْحَابُ هَذِهِ الدُّيُونِ الْغُرَمَاءَ ؛ لِأَنَّهُمْ رَضُوا بِذَلِكَ ، إذَا عَلِمُوا أَنَّهُ مُفْلِسٌ وَعَامَلُوهُ ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَقَدْ فَرَّطَ فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّ هَذَا فِي مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ ، وَيُتْبَعُ بِهَا بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ وَإِنْ أَقَرَّ بِدِينٍ ، لَزِمَهُ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَمُحَمَّدِ بْن الْحَسَنِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ: يُشَارِكُهُمْ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ مُضَافٌ إلَى مَا قَبْلَ الْحَجْرِ ، فَيُشَارِكُ صَاحِبُهُ الْغُرَمَاءَ ، كَمَا لَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ فِيمَا حُجِرَ عَلَيْهِ فِيهِ ، كَالسَّفِيهِ ، أَوْ كَالرَّاهِنِ يُقِرُّ عَلَى الرَّهْنِ ، وَلِأَنَّهُ إقْرَارٌ يُبْطِلُ ثُبُوتُهُ حَقَّ غَيْرِ الْمُقِرِّ ، فَلَمْ يُقْبَلْ ، أَوْ إقْرَارٌ عَلَى الْغُرَمَاءِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ ، كَإِقْرَارِ الرَّاهِنِ ، وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي إقْرَارِهِ ، فَهُوَ كَالْإِقْرَارِ عَلَى غَيْرِهِ ، وَفَارَقَ الْبَيِّنَةَ ، فَإِنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي حَقِّهَا
وَلَوْ كَانَ الْمُفْلِسُ صَانِعًا ، كَالْقِصَارِ ، وَالْحَائِكِ ، فِي يَدَيْهِ مَتَاعٌ ، فَأَقَرَّ بِهِ لِأَرْبَابِهِ ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ ، وَالْقَوْلُ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ، وَتُبَاعُ الْعَيْنُ الَّتِي فِي يَدَيْهِ ، وَتُقْسَمُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ ، وَتَكُونُ قِيمَتُهَا وَاجِبَةً عَلَى الْمُفْلِسِ إذَا قَدَرَ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهَا صُرِفَتْ فِي دَيْنِهِ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ ، فَكَانَتْ قِيمَتُهَا عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي ذَلِكَ .
وَإِنْ تَوَجَّهَتْ عَلَى الْمُفْلِسِ يَمِينٌ ، فَنَكِلَ عَنْهَا ، فَقُضِيَ عَلَيْهِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ إقْرَارِهِ ، يَلْزَمُ فِي حَقِّهِ ، وَلَا يُحَاصُّ الْغُرَمَاءَ .
فَصْلٌ: وَإِنْ أَعْتَقَ الْمُفْلِسُ بَعْضَ رَقِيقِهِ ، فَهَلْ يَصِحُّ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَصِحُّ وَيَنْفُذُ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ مِنْ مَالِكٍ رَشِيدٍ ، فَنَفَذَ ، كَمَا قَبْلَ الْحَجْرِ ، وَيُفَارِقُ سَائِرَ التَّصَرُّفَاتِ ؛ لِأَنَّ لِلْعِتْقِ تَغْلِيبًا وَسِرَايَةً ، وَلِهَذَا يَسْرِي إلَى مِلْكِ الْغَيْرِ ، وَيَسْرِي وَاقِفِهِ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ .
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، لَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ،