فِيهِ مِنْ طَرِيقِ الْعَادَةِ .
وَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَرُدَّهَا إلَى مَالِكِهَا ، وَلَا نَائِبِهِ فِيهَا ، فَلَمْ يَبْرَأْ مِنْهَا كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إلَى أَجْنَبِيٍّ .
وَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِالسَّارِقِ إذَا رَدَّ الْمَسْرُوقَ إلَى الْحِرْزِ ، وَلَا تُعْرَفُ الْعَادَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا .
وَإِنْ رَدَّهَا إلَى مَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِجَرَيَانِ ذَلِكَ عَلَى يَدَيْهِ ، كَزَوْجَتِهِ الْمُتَصَرِّفَةِ فِي مَالِهِ ، وَرَدِّ الدَّابَّةِ إلَى سَائِسِهَا ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَبْرَأُ .
قَالَهُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي الْوَدِيعَةِ: إذَا سَلَّمَهَا الْمُودِعُ إلَى امْرَأَتِهِ ، لَمْ يَضْمَنْهَا .
وَلِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي ذَلِكَ عُرْفًا ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أُذِنَ فِيهِ نُطْقًا .
وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ } .
وَقَوْلِهِ: { عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ } .
وَعَلَيْهِ رَدُّهَا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخَذَهَا مِنْهُ ؛ إلَّا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى رَدِّهَا إلَى غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ رَدُّهُ ، لَزِمَ رَدُّهُ إلَى مَوْضِعِهِ ، كَالْمَغْصُوبِ .
فَصْلٌ: ( 3917 )
وَلَا تَصِحُّ الْعَارِيَّةِ إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِ ، فَأَشْبَهَ التَّصَرُّفَ بِالْبَيْعِ وَتُعْقَدُ بِكُلِّ فِعْلٍ أَوْ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهَا ، مِثْلُ قَوْلِهِ: أَعَرْتُك هَذَا .
أَوْ يَدْفَعُ إلَيْهِ شَيْئًا ، وَيَقُولُ: أَبَحْتُك الِانْتِفَاعَ بِهِ .
أَوْ خُذْ هَذَا فَانْتَفِعْ بِهِ .
أَوْ يَقُولُ: أَعِرْنِي هَذَا .
أَوْ أَعْطِنِيهِ أَرْكَبْهُ أَوْ أَحْمِلْ عَلَيْهِ .
وَيُسَلِّمُهُ إلَيْهِ .
وَأَشْبَاهُ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ إبَاحَةٌ لِلتَّصَرُّفِ ، فَصَحَّ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ ، كَإِبَاحَةِ الطَّعَامِ بِقَوْلِهِ وَتَقْدِيمِهِ إلَى الضَّيْفِ .
فَصْلٌ: وَتَجُوزُ إعَارَةُ كُلِّ عَيْنٍ يُنْتَفَعُ بِهَا مَنْفَعَةً مُبَاحَةً مَعَ بَقَائِهَا عَلَى الدَّوَامِ ، كَالدُّورِ ، وَالْعَقَارِ ، وَالْعَبِيدِ ، وَالْجَوَارِي ، وَالدَّوَابِّ ، وَالثِّيَابِ ، وَالْحُلِيِّ لِلُّبْسِ ، وَالْفَحْلِ لِلضِّرَابِ ، وَالْكَلْبِ لِلصَّيْدِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعَارَ أَدْرُعًا ، وَذَكَرَ إعَارَةَ دَلْوِهَا وَفَحْلِهَا .
وَذَكَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَارِيَّةَ الْقِدْرِ وَالْمِيزَانِ ، فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ، وَمَا عَدَاهَا مَقِيسٌ عَلَيْهَا إذَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا ، وَلِأَنَّ مَا جَازَ لِلْمَالِكِ اسْتِيفَاؤُهُ