وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ إنَّمَا نَجِسَ لِاتِّصَالِ الدِّمَاءِ وَالرُّطُوبَاتِ بِهِ ، غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا لِذَلِكَ لَمْ يَنْجُسْ ظَاهِرُ الْجِلْدِ ، وَلَا مَا ذَكَّاهُ الْمَجُوسِيُّ وَالْوَثَنِيُّ ، وَلَا مَا قُدَّ نِصْفَيْنِ ، وَلَا مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ ؛ لِعَدَمِ عِلَّةِ التَّنْجِيسِ ، وَلَوَجَبَ الْحُكْمُ بِنَجَاسَةِ الصَّيْدِ الَّذِي لَمْ تَنْسَفِحْ دِمَاؤُهُ وَرُطُوبَاتُهُ .
ثُمَّ كَيْفَ يَصِحُّ هَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ يَحْكُمُ بِنَجَاسَةِ الشَّعْرِ وَالصُّوفِ وَالْعَظْمِ ؟ وَأَبُو حَنِيفَةَ يُطَهِّرُ جِلْدَ الْكَلْبِ وَهُوَ نَجِسٌ فِي الْحَيَاةِ .
فَصْلٌ: هَلْ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي الْيَابِسَاتِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَا يَجُوزُ ؛ لِقَوْلِهِ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِشَيْءٍ ، } وَقَوْلِهِ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ } وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { أَلَا أَخَذُوا إهَابَهَا فَانْتَفَعُوا بِهِ } .
وَفِي لَفْظٍ: { أَلَا أَخَذُوا إهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ ؛ } وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، لَمَّا فَتَحُوا فَارِسَ ، انْتَفَعُوا بِسُرُوجِهِمْ وَأَسْلِحَتِهِمْ وَذَبَائِحُهُمْ مَيْتَةٌ ؛ وَلِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ ، أَشْبَهَ الِاصْطِيَادَ بِالْكَلْبِ ، وَرُكُوبَ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ .
فَصْلٌ: فَأَمَّا جُلُودُ السِّبَاعِ فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهَا قَبْلَ الدَّبْغِ ، وَلَا بَعْدَهُ .
وَبِذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ .
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، كَرَاهِيَةُ الصَّلَاةِ فِي جُلُودِ الثَّعَالِبِ ، وَكَرِهَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالْحَكَمُ ، وَمَكْحُولٌ ، وَإِسْحَاقُ